یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا فَتَعَالَیۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا٢٨
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا
الجزء ٢١الربع ١٦٨ صفحة ٤٢١
تفسيرها
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ السعة والتنعم فيها، لا التزود منها، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ زخارفها الظاهرة، كما الذين لا يعلمون الا ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطـكن المتـعة، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)﴾ طلاقا من غير ضرار وبدعة، كأن هذه الآية تدل على أنه نهى عن معاشرة الأزواج المنافقات، وكأنه خص بهذا دون أمتـه. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ تستحقر دونه الدنيا وزينتها.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦١
قوله تعالى : ﴿ يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأَخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني الجنة .
ذكر مسروق عن عائشة قالت : خَيَّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم يكن ذلك طلاقاً . وقال بعض المفسّرين : إنما خيّرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيّرهن الطلاق .
وكان علي بن أبي طالب يجعل الخيار إذا اختارت المرأة نفسَها إذا خيّرها الرجلُ تطليقةً بائنة . وقال بعضهم : أحسبه قال ذلك من هذه الآية في قوله : ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ . وقال في هذه السورة بعد هذا الموضع : ﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ [ الأحزاب : 49 ] . فإذا طلّقها قبل أن يدخل بها تطليقة فإنها تبين منه بها ، وهي أملك بنفسها ، وهو خاطب ، وإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين .
وقال في سورة البقرة : ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [ البقرة : 231 ] ، وهذا عند انقضاء العدة قبل أن تنقضي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت ممن تحيض ، فإن كانت ممن لا تحيض وليست بحامل فما لم تنقض ثلاثة أش?ر ، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها ، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة فما لم تضع الآخِر ، فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء . فإن انقضت العدة ولم يراجعها فهي تطليقة بائنة . قال : ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [ البقرة : 231 ] . والتسريح في كتاب الله واحدة بائنة .
وكان زيد بن ثابت يقول : إن اختارت نفسها فثلاث .
وكان ابن عمر وعبد الله بن مسعود يقولان : واحدة ، وهو أحقُّ بها . فإن اختارته فلا شيء لها؛ فكأنهما يقولان : إنما الخيار في طلاق السنة على الواحدة ، ولا ينبغي أن يطلق ثلاثاً ثلاثاً جميعاً ، فإنما خيّرها على وجه ما ينبغي أن يطلقها . وأما إذا قال : أمرك بيدك ، ففي قولهما إنها إذا طلقت نفسها ثلاثاً فهي واحدة على هذا الكلام الأول .
وكان علي ورجال معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : القول ما قالت . غير أن ابن عمر قال : إلا أن يقول : إنما ملّكتها في واحدة ، فيحلف على ذلك ، ويكون قضاؤها في واحدة . وبه نأخذ ، وعليه نعتمد .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦١
﴿ يا أيُّها النَّيى قل لأزواجكَ إن كُنتنَّ تردْن الحياة الدنيا ﴾ توسيع التنعم فيها ﴿ وزينَتها ﴾ من الحلى والحلل وسائر الزخارف ، عطف خاص على عام ﴿ فتعالَيْن ﴾ اقبلن الى بقلوبكن ، كما تقول : أقبل يخاصمنى ، ذهب يكلمنى ، قام يأمر وينهى ، وجاء يقول ، ولم ترد حقيقة القيام ، واصل تعال عالج الصعود الى موضع عال او بالغ فيه ﴿ أمتِعُكَّن ﴾ مجزوم فى جواب فعل الامر ، وتعالين جواب إن ، او امتع جوابها ، وفتعالين اعترض مقرون بالفاء كقوله :
واعلم فعل المرء ينفعه … ان سوف يأتى كل ما قدره
وعندى انه لا تثبت ، واو الاعتراض ولا فاء الاعتراض لان الاعتراض ليس معنى يوضع له حرف ، وما اوهم ثبوتهما فإنه يأول بانهما للعطف ، ولو قبل تمام المعطوف عليه ، كقولك ان قام ويقعدا اخواك ، فان يقعدا ليس معطوفا على قام ، بل على قام اخواك ، او يأول الواو بواو الحال او بالعطف على محذوف مجرد من عاطف ، او تأول الفاء بأنها فى جواب شرط ، او بانها عاطفة على محذوف مجرد من واو او فاء او عاطف ، وكذلك تثبت واو الاستئناف ، لان الاستئناف ليس معنى يوضع له الحرف ، وان أبيت الا العناد فقد اطلعت بعد قولى بذلك ، على ان ابن هشام قال : ان الاستفتاح ليس معنى ، ومعنى ألا الاستفتاحية التأكيد والتنبيه ، ومعنى لام الابتداء التأكيد ، ومعنى من الابتدائية ان الفعل مبدؤه كذا من زمان او مكان ، والتمتيع واجب عندنا وعند ابى حنيفة للتى طلقت قبل المس ، ولم يعرض لها ، ومستحب للمحسوسة ، والتى فرض لها ، وعن سعيد بن جبير : المتعة واجبة لكل مطلقة الا المفتدية والملاعنة ، وهى درع وملحفة وخمار ، والبسط فى الفروع كشرح النيل .
﴿ وأسَرحكنَّ سَراحاً ﴾ تسريحا ﴿ جَميلاً ﴾ شرعيا لا ضرر فيه ولا بدعة ، وهو الطلاق الذى هو كذلك ، وبلا خصام والتسريح سبب للتمتع ، فالاصل تقديمه ، ولكن قدم التمتيع ايناسا لهن ، وجبرا لانكسارهن ، وقطعا لعذرهن من اول الامر ، لمناسبة ما قبله من الدنيا ، ولانه لو قدم التسريح لكان كالانتقام ، فلا يخلو الاختيار عن شائبة الاكراه ، كما انه وصف التسريح بالجميل للابعاد عن تلك الشائبة ، ولا يتبادل ان ارادة الدنيا كالطلاق ، فيكون قد قدم الطلاق على التمتيع .
ولما فتح الله عز وجل وهو الفاتح العليم قريظة والنضير ، ظنت نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم انه اختص بنفائس اليهود وذخائرها ، فقعدن حوله وقلن : يا رسول الله بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل والاماء والخول ، ونحن ما نراه من الضيق والفاقه ، وظنن انه يعاملهن معاملة الملوك ، وتألم بذلك وسكت ، ودخل الصديق وعمر ، فقال : اكلم بما يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله لو رأيت ابنة زوجى سألتنى النفقة آنفا فوجأت عنقها ، فضحك النبى صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده فقال :
« هن حولى يسألنى النفقة » فقام ليضرب بنته حفصة ، وقام الصديق ليضرب بنته عائشة ، فنهاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضربهما ، وقالا : كيف تسألن رسول الله صل الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ فحلفن بالله لا يسألنه بعد هذا المجلس ابدأ ما ليس عنده .
وبدأ بعائشة وقال : « انى اذكرك امراً فلا تعجلى حتى تستأمرى ابويك فقرأ لها الآية » فقالت : اختار الله ورسوله ، ولا أستأمر احداً ، وفرح صلى الله عليه وسلم بذلك ، وقد خاف ان لا تفعل وقالت : اكتم على ، فقال : « لا إنما بعثت مبلغا لا يسألنى احدا الا بلغته » ، فتتابعن على ذلك ، فجازلهن الله تعالى بان لا يتزوج عليهن ، وهن تسع خمسة من قريش : عائشة ، وحفصة ، وأم حبيبة بنت أبى سفيان ، وسودة بنت زمعة ، وأم سلمة بنت امية ، وأربع من غيرهن : صفية بنت حيى الخيبرية وميمونة بنت الحارث الهلالية ، وزينب بنت جحش الأسدية ، وجويرية بنت الحارث المصطلقية الا العامرية الحميرية الكلابية فاطمة بنت الضحاك بن سفيان اختارت نفسها وقومها فابتليت بالفقر ، وذهاب العقل وصارت كالمجنونة ، فكانت تلتقط البعر وتبيعه ، وتستأذن على نساء النبى صلى الله عليه وسلم وتقول : أنا الشقية اخترت نفسى .
وهذا التخيير بعد ان هجرهن تسعة وعشرين يوما ، ولا ينافى هذا ما روى انه اقسم لا يدخل عليهن شهرا ، لانه دخل على عائشة بعد تسعة وعشرين يوما ، فقالت رضى الله عنها : يا رسول الله اقسمت على شهر وهذه تسعة وعشرون اعدهن ، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى آله : « الشهر تسعة وعشرون » وذلك فى صحيح مسلم ، عن الزهرى ، عن عروة ، عن عائشة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦١