سورة الأحزاب · الآية ٢٩ من ٧٣

‹ السورة السابقة
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡءَاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِیمࣰا٢٩
الرسم الإملائيّ

وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا

الجزء ٢١الربع ١٦٨ صفحة ٤٢١

تفسيرها

[سورة الأحزاب — آية 29]

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ السعة والتنعم فيها، لا التزود منها، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ زخارفها الظاهرة، كما الذين لا يعلمون الا ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون، ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطـكن المتـعة، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)﴾ طلاقا من غير ضرار وبدعة، كأن هذه الآية تدل على أنه نهى عن معاشرة الأزواج المنافقات، وكأنه خص بهذا دون أمتـه. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)﴾ تستحقر دونه الدنيا وزينتها.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦٢

[سورة الأحزاب — آية 29]

قوله تعالى : ﴿ يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَِزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الأَخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ يعني الجنة .

ذكر مسروق عن عائشة قالت : خَيَّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه ، فلم يكن ذلك طلاقاً . وقال بعض المفسّرين : إنما خيّرهن بين الدنيا والآخرة ولم يخيّرهن الطلاق .

وكان علي بن أبي طالب يجعل الخيار إذا اختارت المرأة نفسَها إذا خيّرها الرجلُ تطليقةً بائنة . وقال بعضهم : أحسبه قال ذلك من هذه الآية في قوله : ﴿ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ . وقال في هذه السورة بعد هذا الموضع : ﴿ يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ [ الأحزاب : 49 ] . فإذا طلّقها قبل أن يدخل بها تطليقة فإنها تبين منه بها ، وهي أملك بنفسها ، وهو خاطب ، وإن تزوّجها كانت عنده على تطليقتين .

وقال في سورة البقرة : ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [ البقرة : 231 ] ، وهذا عند انقضاء العدة قبل أن تنقضي ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة إذا كانت ممن تحيض ، فإن كانت ممن لا تحيض وليست بحامل فما لم تنقض ثلاثة أش?ر ، وإن كانت حاملاً فما لم تضع حملها ، فإن كان في بطنها اثنان أو ثلاثة فما لم تضع الآخِر ، فهو يراجعها قبل ذلك إن شاء . فإن انقضت العدة ولم يراجعها فهي تطليقة بائنة . قال : ﴿ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [ البقرة : 231 ] . والتسريح في كتاب الله واحدة بائنة .

وكان زيد بن ثابت يقول : إن اختارت نفسها فثلاث .

وكان ابن عمر وعبد الله بن مسعود يقولان : واحدة ، وهو أحقُّ بها . فإن اختارته فلا شيء لها؛ فكأنهما يقولان : إنما الخيار في طلاق السنة على الواحدة ، ولا ينبغي أن يطلق ثلاثاً ثلاثاً جميعاً ، فإنما خيّرها على وجه ما ينبغي أن يطلقها . وأما إذا قال : أمرك بيدك ، ففي قولهما إنها إذا طلقت نفسها ثلاثاً فهي واحدة على هذا الكلام الأول .

وكان علي ورجال معه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون : القول ما قالت . غير أن ابن عمر قال : إلا أن يقول : إنما ملّكتها في واحدة ، فيحلف على ذلك ، ويكون قضاؤها في واحدة . وبه نأخذ ، وعليه نعتمد .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦٢

[سورة الأحزاب — آية 29]

﴿ وإنْ كنْتنَّ تردن الله ورسُوله والدار الآخرة ﴾ اخر هذا مع انه اعظم ، لان سبب النزول طلبهن الدنيا ، ولانه صلى الله عليه وسلم لا يلتفت الى الدنيا فبدئ له طرحها ، والمراد : وان كنتن تردن رسوله ، لان الكلام فى تحضيرهن فيه ، ولكن ذكر الله اجلالا له صلى الله عليه وسلم ، والمراد بالدار الآخرة نعيمها الدائم ﴿ فإنَّ الله أعدَّ ﴾ هيأ ﴿ للمحسنات ﴾ جزاء لاحسانهن ﴿ منِكنَّ ﴾ بيان لهم كلهن محسنات ، او تبعيض اعتبارا للعامرية ﴿ أجْراً ﴾ كثيرا ﴿ عظيماً ﴾ فى نفسه ، والجملة جواب الشرط ، او علة لجوابه محذوفا ، اى يثبكن الله تعالى ، او تتلن خيرا ، لان الله اعد الخ ، ولم يذكر الثواب فى قوله : ﴿ إن كنتن تردن الحياة الدنيا ﴾ لانه لا يستحق على الدنيا ، ولا الوعيد ليخلو التخيير عن شائبة الاكراه .

والظاهر ان اختيارهن طلاق لو اخترن ، بدليل انه لم يطلق العامرية ، بل اكتفى باختيارها نفسها ، وقيل : غير طلاق ، بل موجب له ، لانه صلى الله عليه وسلم لا يخلف الوعد ، ولقوله : ﴿ أسرحكنَّ ﴾ وعليه الجمهور والحسن ، واجيب بان التسريح هنا تكميل اختيارهن برضاء به ، وطيب النفس ، وان خير الرجل زوجه فاختارت فطلاق بائن واحد ر جعة فيه الا برضاها ، وعن عمر وابن عباس وابن مسعود : واحد رجعى ، وقال زيد بن ثابت ، والحسن ، ومالك : ان اختارت الزوج فطلقة احدة رجعية ، او اختارت نفسها فثلاث ، وعن على : ان اختارت زوجها فواحدة رجعية ، وان اختارت نفسها فواحدة بائنة ، وعند الجمهور غير واقع حتى يطلق ، ولها الخيار ما دامت فى المجلس ، وعليه عمر وعثمان وابن مسعود ، وجابر بن عبدالله ، وحكاه قومنا عن جابر بن زيد وهؤلاء .

وقال الزهرى ، وقتادة : لها الخيار بعد الخروج عن المجلس ، فان عطلت اجبرت ان تختار او تترك ، والحق ان لا طلاق ان اختارت الزوج كما فى الصيحين ، عن مسروق انه قال : ما أبالى خيرت امراتى واحدة او مائة او الفاً بعد ان تختارنى ، ولقد سألت عائشة رضى الله تعالى عنها فقالت : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاخترناه ، فما كان طلاقا ، ولم يعد ذلك شيئا .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٦٢