فَقَالُوا۟ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَیۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِیثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ١٩
الرسم الإملائيّ
فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
الجزء ٢٢الربع ١٧٢ صفحة ٤٣٠
تفسيرها
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ أشروا النعمة، وملوا العافية كبني اسرائيل؛ وليس سؤال هؤلاء وأمثالهم بأعجب من اختيار الفقر على الغنى، ومعيشة الضنك على الحياة الطيبة، والجهد في طلب المعيشة على العبادة، وهم الذين رزقهم الله ما
يكفيهم، ويطلبون المزيد لغيرهم لا لهم، ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ بالبصر والطغـيان
حيث بطروا النعمة، ولم يعتدوا بها عدة الآخرة، ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يتحدث الناس بهم تعجبا، ومنهم تفكها، ومنهم من يعتبر بهم ويتعظ،﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قيل: فرقناهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ ﴾ لعبر ودلالات، ﴿ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن المعاصي،﴿ شَكُورٍ (19)﴾ على النعم
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٢٥
قال : ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ تفسير الحسن : أنهم مَلُّوا النعمة كما ملَّتْ بنو إسرائيل المنَّ والسَّلْوَى .
وتفسير الكلبي : إنهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا ، أي : حين كذبوهم : كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض ، فكيف اليوم وأرضنا خراب .
وبعضهم يقرأها : ربنا ﴿ باعِد ﴾ ، وبعضهم يقرأها : ﴿ بَعِّدْ ﴾ ، وبعضهم : ﴿ بَعُدَ ﴾ قال الله : ﴿ وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ أي : بشركهم ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾ [ أي : لمن بعدهم ] ﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ أي : بددنا عظامهم وأوصالهم فأكلهم التراب . ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي : في إهلاك القرية ومن فيها ﴿ لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ ﴾ أي : على أمر الله ﴿ شَكُورٍ ﴾ لنعمة الله ، وهو المؤمن .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٢٥
﴿ فقالوا ربَّنا باعد بَيْن أسْفارنا ﴾ بلسان الحال لكفرهم النعمة الموجب للانتقام ، أو بلسان المقال ، وقالوا كل لا كلية لأن القائل الأقوياء القادرون لا كلهم ، لينالوا ما لا يناله الضعفاء مما يجلب من البلاد البعيدة ، مما يشتهى ، فيفتخرون بذلك على الضعفاء الذين لا يقدرون على ركون بالمفازات ، وذلك كاختيار الإسرائيليين القوم والعدس والبصل ، على المنّ والسلوى ، فأخرب الله عز وجل ما بينهم وبين القرى المباركة ، حتى لا داعى ولا مجيب ، وذلك بطر للنعم ، ومعنى الآية أجعل البعد بين أجزاء أسفارنا .
﴿ وظلمُوا أنفُسَهم ﴾ بتعريضها للعذاب ، والمراد أبدانهم لأنها تتألم بواسطة نفس الحياة ، أو المراد أنفس الحياة ، أعنى الروح ، فان السكران لا يتألم ، أو كلاهما وهكذا تقول حيث أمكن القول ﴿ فجعلناهم أحاديث ﴾ جعلنا أحوالهم أحاديث ، أو جعلناهم بأنفسهم أحاديث مبالغة ، والمفرد أحدوثة بضم الهمزة ، وهى الحديث العجيب لعظمه أو غرابته ، أو أفنيناهم كلهم ولم يبق إلا التحدث العجيب عنهم ﴿ ومزّقناهم كلَّ مُمَّزق ﴾ كل تمزيق ، فالنصب على المفعولية المطلقة ، أو كل موضع تميزق من مواضعهم ، فالنصب على الظرفية ، وذلك بالنقل الى أماكن بعيدة كما ، مر بعد أن كانوا يقتبسون النار بعض من بعض مسيرة أربعة أشهر .
وقيل : لحق غسان بالشام ، وأنمار بالمدينة ، وجذام وخزاعة بتهامة ، والأزد بعمان ، وقضاعة بمكة ، وأسد بالبحرين ، وقيل : خزاعة بالأراك من بطن مر ، والأوس والخزرع بطينة ، بأن قدم إليها جد الأوس والخزرج ، وهو عمر وبن عامر ، وآل جفنة بالشام ، وآل جذيمة الأبرش بالعراق ، وذلك بعد إرسال السيل العرم ، وقيل ، وقيل : قبله بأن علموا بأنه يخرب ، ويجمع بأن بعضا قبل وبعضا بعد ، والمعنى قضينا التمزق عليهم ، وذلك أنهم تفرقوا باختيار ، إذ خرب السيل السد ، أو المراد بالتمزيق أخراب السد الذى هو السبب فى التفرق ، وأول من خرج منهم عمرو بن عامر مزيقيا ، لاخبار زوجه الكاهنة بالتخريب .
﴿ انَّ فى ذلك ﴾ ما ذكر من قصتهم ﴿ لآيات ﴾ عظاما ﴿ لكلَّ صبَّار ﴾ على مشاق الطاعة والمصائب ، وعن المعاصى كبطر النعمة ﴿ شَكُور ﴾ على النعم ، وفى ذلك آيات لكل آحد ، ولكن خص هؤلاء لأنهم المنتفعون أو لكل من يتأهل للصبر والشكر ، وهم المكلفون .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٢٥