سورة فاطر · الآية ٨ من ٤٥

‹ السورة السابقة
أَفَمَن زُیِّنَ لَهُۥ سُوۤءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنࣰاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَیۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمُۢ بِمَا یَصۡنَعُونَ٨
الرسم الإملائيّ

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ

الجزء ٢٢الربع ١٧٤ صفحة ٤٣٥

تفسيرها

[سورة فاطر — آية 8]

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدارين،﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)﴾ وعد لمن أجاب دعاءه ووعيد لمن خالفه.﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ بأن غلب همه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فصار يقعش على أم رأسه، فظن الباطل حقا والقبيح حسناً، والعذاب الشديد في الدنيا عذابا حسنا، كمن لم يزين له، بل توقف، وتابى حتى عرف الحق، واستحسن الحسن، واستقبح القبيح؟ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾معناه لا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على المخالفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)﴾ وعيد وتهديد.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦٨

[سورة فاطر — آية 8]

قال : ﴿ أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً ﴾ أي : كمن آمن وعمل صالحاً . أي : لا يستويان . وهذا على الاستفهام ، وفيه إضمار . قال : ﴿ فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي : على المشركين ﴿ حَسَرَاتٍ ﴾ أي : لا تتحسر عليهم إذا لم يؤمنوا؛ كقوله : ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ النحل : 127 ] قال : ﴿ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦٨

[سورة فاطر — آية 8]

﴿ أفمن زُيِّن لهُ سُوء عَمَله ﴾ أى عمل الشيطان ، أو عمل نفسه ، زين الشيطان والهوى له المعاصى ، فكانت عملا له ﴿ فرآه حَسَناً ﴾ الهمزة الانكار مساواة من حسن عمله ، والفاء للعطف على محذوف ، أى أيجوز ترك التدبر ، فمن زين الخ ، أو داخلة على جواب شرط مقدر ، والهمزة مما بعدها والتقدير اذا علمتم ذلك ، أفمن زين ، وخبر المبتدأ وهو من الموصولة أو الشرط محذوف تقديره مع ما عطف عليه محذوفا ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ﴾ ومن استقبحه وعمل الصالحات متساويان ، أو يقدر بلا عطف ، أى كمن استقبحه واجتنبه ، أو يقدر المحذوف بالفاء على الشرطية ، وكذا اذا قدرنا كمن هداه الله لدلالة قوله عز وجل : ﴿ ويهدى من يشاء ﴾ وكذا الحذف فى قوله جل وعز : « فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه » وقد ذكر الخبر الخبر فى قوله تعالى : ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ﴾ وقوله عز وجل : ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل ﴾ إلخ ، وقوله سبحانه : ﴿ أو من كان ميتا ﴾ الخ وسوء عمله بمعنى فتح عمله .

وقيل : من اضافة الصفة الى الموصوف ، والتحقيق أن خبر المبتدأ الشرطين هوجملة جوابه لا جملة الشرط اذا تمت به الفائدة ، ولا نترك ما هو ظاهر الى غير الظاهر لتكلف ، ومن يزعم انه جملة الشرط ناقض قوله بقوله : إن الفاء تزاد فى خبر الموصول تشبيها بالشرطى ، وعلل سببة التزيين لرؤية القبيح حسنا بقوله : ﴿ فإنَّ الله يُضلُّ من يَشاء ﴾ مثل من كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ويَهْدى من يَشَاء ﴾ مثل من آمن به صلى الله عليه وسلم ، ولا عجب فى اتباع العاقل عدوه فى تزيينه ، ألنهم لا يدرون أن الشيطان عدوهم ، ولأن هواهم من أنفسهم معين ، وهم كمن سلب عقله بشدة التزين وزخرفته ، حتى أنه قال : ﴿ من زين ﴾ ولم يقل الكافر ، وذلك كله بخلق الله ذلك ، وإيقاعه كما قال معللا : ﴿ فإن الله يضل ﴾ الخ أى لأن الله يضل الخ فلا قدرة لك على أن تسلك الضال فى زمرة المهتدى .

﴿ فَلا تَذْهبْ ﴾ تتلف ﴿ نفسُك ﴾ روحك كله ﴿ عليْهِم حَسَرات ﴾ عطف انشاء على اخبار وتفريغ عليه ، ولا حاجة الى جعله جواب شرط ، أى اذا كان الأمر كذلك فلا تذهب ، ولا الى دعوى التقديم والتأخير ، وأن التقدير أنه صلى الله عليه وسلم قال : لا ، جوابا لقوله عز وجل : « أفمن زين له » فإذا كان جوابك لا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات لأن الله يضل الخ ، ولا دليل على ذلك ، وليس كل ما صح فى نفس الأمر يقدمر تفسير للقرآن ، والحسرة الغم والندم على ما فات ، كأنه انحسر عنه حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قوته لشدة غم ، أو أدركه عياء عن تدارك ما صدر منه ، وعليهم بمعنى لأجلهم ، وحسرات حال مبالغة كأنهم نفس الحسرات ، أو يقدر ذات حسرات أو حاسرات ، أو يتعلق بحسرات ، ولو كان جمع مصدر ، لأن هذا المصدر ليس هنا على معنى حرف المصدر والفعل ، ولتوسعهم فى الظروف واذا علق بحسرات وليس تعليلا صح جعل حسرات مفعولا من أجله اذ لا يتكرر المفعول من أجله بلا تبعية ، ولا يصح تعليقه بتذهب الا على معنى التعليل .

وجمع حسرة للدلالة على الأنواع من تضاعف اغتمامه صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ إنَّ الله ﴾ أى لأن الله ﴿ عَليمٌ بما يْصنَعون ﴾ فيعاقبهم ، وقوله : ﴿ أفمن زين ﴾ الى : ﴿ يصنعون ﴾ آية واحدة نزلت فى أبى جهل ، اذ أصر على كفره ، وعمر رضى الله عليه اذ تاب وأسلم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٦٦٨