سورة ص · الآية ٣٦ من ٨٨

‹ السورة السابقة
فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّیحَ تَجۡرِی بِأَمۡرِهِۦ رُخَاۤءً حَیۡثُ أَصَابَ٣٦
الرسم الإملائيّ

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ

الجزء ٢٣الربع ١٨٢ صفحة ٤٥٥

تفسيرها

[سورة ص — آية 36]

}وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴿ قيل : لا يصح لأحد من بعدي لعظمته، ﴾إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً ﴿ لينة من الرخاوة لا تزعزع، ولا تخالف إرادته، كما المأمور المنقاد،﴾حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)﴿ فأعط من شئت ، وامنع من شئت ﴾بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) َوإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴿ في الآخرة، مع ما له من الملك العظيم في الدنيا، ﴾وَحُسْنَ مَآَبٍ (40){ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٠٦

[سورة ص — آية 36]

قال الله : ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْري بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ .

ذكروا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بينا أنا البارحة في مصلاي إذ عرض علي الشيطان ، فأخذته بحلقه فخنقته ، حتى إني لأجد برد لسانه على ظهر كفي ، ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً تنظرون إليه » .

قوله : ﴿ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً ﴾ ذكروا عن الحسن قال : الرخاء التي ليست بالعاصف التي تؤذيه ، ولا بالبطيئة التي تقصر به عن حاجته ، رخاء بين ذلك . قوله : ﴿ حَيْثُ أَصَابَ ﴾ أي : حيث أراد ، وهي بلسان هجر . وهو تفسير مجاهد . غير أنه قال : حيث شاء .

وتفسير الحسن : أن سليمان إذا أراد أن يركب جاءت الريح فوضع سرير مملكته عليها ، ووضع الكراسي والمجالس على سريره ، وجلس وجوه أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإنس ، والجن يومئذ ظاهرة للإِنس ، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أُدْمٌ ، يحجون ويصلون جميعاً ويعتمرون جميعاً ، والطيور ترفرف على رأسه ورؤوسهم ، والشياطين حَرَسَة لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه ، وهو قوله : ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ [ النمل : 17 ] على كل صنف منهم وزعة يرد أولهم على آخرهم .

قوله : ﴿ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾ أي يغوصون في البحر ويستخرجون له اللؤلؤ . ﴿ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ﴾ أي : في السلاسل ، ولم يكن يسخر منهم ويستعمل في هذه الأشياء ولا يصفد في السلاسل إلا الكفار منهم ، فإذا تابوا وآمنوا حلهم من تلك الأصفاد . هذا تفسير الحسن .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٠٦

[سورة ص — آية 36]

﴿ فسخَّرنا له الرِّيحَ ﴾ بسبب قوله : « هب لى ملكا » ولو انسحب القول على المغفرة والهبة ، كأنه قيل سخرنا له الريح لشمول دعائه ملك الدنيا الذى منه الريح ، ولو أريد التفريع على القول كله لقيل فغفرنا له ، وسخرنا له الريح ، ومع ذلك قد أجاب له فى الغفران ، لأنه أمر متقرر شرعا لمن استغفر ، ولو كان غير نبى فلم يصرح به ، بخلاف طلب الهبة ، فانه لم يتقرر أن الهبة لطالبها ، وقد يقال جعل جابة الدعاء فى الهبة علامة على قبول الاستغفار ، والريح هنا فى الخير مع افرادها اذ لا يلزم أن الرياح فى الخير ، كما قرأ بها بعض هنا ، وأن الريح فى الشر ، وجاء فى الحديث : « اللهم اجعلها رياحاً لا ريحا » أى لا ريح سوء بدليل أنه قابلها بالجمع ، وتسخيرها تذليلها إدامتها على ما هى عليه غالبا ، أو تسخيرها جعلها مطاوعة له فيكون قوله :

﴿ تَجْرى بأمْره ﴾ حالا مقدرة مفسرة لتسخيرها ، ويكون مستأنفا أو حالا أيضا اذا فسرنا لتسخير بابقائها ذليلة ، وانما قلت مقدرة لأنه تعالى يثبتها كما يشاء له ، ثم يأمرها سليمان بما يشاء ﴿ رُخاءً ﴾ حال بمعنى لينة ، وهو وصف لا مصدر تجريد رخاء اذا أرادوا عاصفة اذا أراد بحسب أحواله ، كما اذا أراد شدة السرعة ، أو ثقل الحمل فتعصف ، واذا أراد مطلق السير لانت ، أو الجرى بأمره رخاء معناه الانقياد له ، لا تخالفه والعصوف بحسب أصلها ، وترخو اذا أراد رخاوتها فلا ينافى قوله تعالى : ﴿ ولسليمان الريح عاصفة ﴾ ﴿ حَيثُ ﴾ متعلق بسخر أو تجرى ﴿ اصاب ﴾ قال الزجاج : تقول العرب أصاب الصواب ، وأخطأ الجواب ، أى قصد الصواب ، قصد رجلان ممن يطلب علم اللغة رؤبة ليسألاه عن « أصاب » فى الآية ، فخرج اليهما فقال : أين تصيبان أى تقصدان؟ فقالا : هذه طلبتنا ، فرجعنا اذ علما من كلامه أن أصاب بمعنى قصد ، وأجيز أن يكون همزة لتعدية صاب يصوب بمعنى نزل ، أى حيث يصيب جنده أى ينزلهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٠٠٦