ٱللَّهُ یَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِینَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِی لَمۡ تَمُتۡ فِی مَنَامِهَاۖ فَیُمۡسِكُ ٱلَّتِی قَضَىٰ عَلَیۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَیُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِی ذَٰلِكَ لَءَایَٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ٤٢
الرسم الإملائيّ
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
الجزء ٢٤الربع ١٨٥ صفحة ٤٦٣
تفسيرها
}اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴿ أي: يقبضها عن الأبدان، بأن يقطع تعلقها عنها، وتصرفها فيها، إما ظاهرا وباطنا، وذلك عند الموت، أو ظاهرا لا باطنا وهو في النوم، ﴾فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴿ ولا يردها إلى البدن؛ وقيل: لكل إنسان نفسان أحدهما نفس الحياة، وهي التى تتفارقه عند الموت، فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز، وهي التى تفارقه إذا نام، ﴾وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴿ أي:النائمة إلى بدنها عند اليقظة، ﴾إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴿ وهوالوقت المضروب لموته؛ (لعله) ولعل هذه تقوي حجة من قال:إن موت المؤمن لا ألم فيه، إنما الألم في مقدماته، وهو غاية جنس الإرسال؛ وما روي عن ابن عباس : » إن في بني أدم نفسا وروحا، بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس التى بها العقل والتمييز، والروح التى بها النفس والحياة، فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند الموت « ﴾إِنَّ فِي ذَلِكَ﴿ من التوفي والإمساك والإرسال، ﴾لَآَيَاتٍ﴿ على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته،﴾لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) {في تعلقها بالأبدان، وتوفيها عنها بالكليةعند الموت، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها، وما يعتريها من السعادة والشقاوة،(لعله) والحكمة في توفيها عن ظواهرها، وإرسالها حينا بعد حين ؛ أي : توفي آجالها.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٠٠
قوله : ﴿ الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾ أي ويتوَفَّى التي لم تمت في منامها ﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ﴾ أي : فيميتها ﴿ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ أي إلى الموت . أي : إن النائم إذا نام ، في قول بعضهم ، خرجت النفس ، وهي الروح ، فيكون بينهما مثل شعاع الشمس . وبلغنا أن الأحلام التي يراها النائم هي في تلك الحال . فإن كان ممن كتب الله عليه الموت في منامه خرج الروح أي النفس ، وإن كان ممن لم يحضر أجله رجعت النفس أي الروح فاستيقظ .
وقال بعضهم : شبه [ نوم ] النائم بالوفاة ، فيمسك التي قضى عليها الموت ، أي التي يتوفاها وفاة الموت ، ويرسل الأخرى التي لم يتوفها وفاة موت النائم ، وهي النفس ، إلى أجل مسمى ، أي : إلى الموت الذي هو آخر آيامه .
قال : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، وهم المؤمنون .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٠٠
﴿ الله يَتوفَّى ﴾ يأخذ عن الأبدان كما تأخذ مالك على أحد حق يكون عندك وافيا ﴿ الأنْفُس ﴾ الأرواح ﴿ حين مَوتها ﴾ فى وقت قضى الله أن تموت فيه ، فالروح فى الحيوان حية ، وفى خارجه ميتة ، واذا أراد الله حياتها أحياها ، وليست خارجة عن النائم البتة ، بل لها اتصال به ﴿ والتَّى ﴾ عطف على الأنفس ، أى يوتوفى الروح التى ﴿ لم تمُت ﴾ وتحيا ، وتنام وتستيقظ ﴿ فى مَنَامها ﴾ متعلق بيتوفى ، أى يتوفى الأرواح وقت نومها أى إذا نامت ، فهو الذى توفاها وأماتها عن الظاهر والتصرف فيه ، وأبقاها حية فى الباطن ، والمنام اسم زمان ميمى ويجوز أن يكون مصدرا ميميا ، وكأنه صار النوم مكانا ، واسناد الموت والنوم لروح حقيق لا مجاز ، وقيل مجاز عقلى ، لأنهما للأبدان لا للروح ، والنائم شبيه بالميت ، قال : ﴿ وهو الذى يتوفاكم بالليل ﴾ أى يميتكم والوفاة الموت .
﴿ ويُمسْكُ الَّتى قَضَى عَليْها ﴾ فى الأزل ﴿ الموت ﴾ لأجل لها تموت فيه حال نومها ، فلا يردها الى بدنها فينقطع عنها تصرف الباطن أيضا الموجود فى النوم ، كما انقطع عنها تصرف الظاهر بالنوم ، وكذا من مات سكرانا ﴿ ويُرسِل الأخْرى ﴾ النفوس الأخرى ، أى الأرواح الأخرى النائمة الى أبدانها ظاهرا فتنصرف ظاهرا وباطنا ﴿ الى أجل مُسمى ﴾ لا تزال يرسلها من النوم الى البدن ، الى أجل مسمى عند الله تموت فيه موتا حقيقا فلا يرسلها بعد ، سواء أخذ فى نوم فى يقظة ، وإنما تعلق الى فيرسل ، لأن المراد تكرر الارسال ، وفى معنى ذلك تقدير حال تتعلق به ، أى حافظا لها الى أجل مسمى ، أو تضمن يرسل معنى يحفظ ، وما ذكرت من أن النفس الروح قول لابن عباس . وهو قول جماعة ، وبه قال سعيد بن جبير ، وقيل : تلتقى أرواح الأحياء ، مع أرواح الموتى ، فترجع أرواح الأحياء ، ويمسك أرواح الموتى ، وقيل للانسان نفس وروح ، فعند النوم تخرج النفس ويبقى الروح .
وروى عن ابن عباس : أن النفس غير الروح ، ونسب للأكثر ، وأن بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس هى التى بها العقل والتمييز ، والروح بها التحرك والتنفس يقبضان عند الموت ، ويقبض النفس وحدها عند النوم ، ترجع فى الاستيقاظ بأسرع من لحظة .
قال أنس : كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فقال : « من يكلؤنا الليلة؟ » فقلت : أنا ، فنا م ونام الناس ، ونمت فلم نستيقظ إلا بحر الشمس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس إن هذه الأرواح عارية فى أجساد العباد فيقبضها الله إذا شاء ، يرسلها اذا شاء » ولفظ البخارى وأبى داود والنسائى وغيرهم ، عن أبى قتادة : « إن الله تعالى قبض أرواحكم حيث شاء ، وردها حيث شاء » .
وعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« إذا أوى أحدكم الى فراشه فيلنفضه بداخلة إزاره فانه لا يدرى ما خلفه عليه ، ثم ليقل : اللهم باسمك ربى ، وضعت جنبى ، وباسمك أرفعه أن أمسكت نفسى فارحمها ، وان أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك » رواه البخارة ومسلم ، وذكر على لعمران : ما رأت الروح فى السماء حق وصدق ، فذلك هو الرؤيا الصادقة ، وما رأت إذا رجعت وتلقاها الشياطين خلطت عليها وكذبت ، فذلك هو الرؤيا الكاذبة ، فعجب عمر بذلك .
﴿ إنَّ فى ذلكَ ﴾ المذكر فى التوفى والامساك والارسال ﴿ لآيات ﴾ عظما ﴿ لقوم يتفكَّرون ﴾ فى تعلق الأنفس بالأبدان ، وتوفيها وإرسالها حتى يتم أجلها ، فيه تسعى فى سعادة أو شقاوة ، قيل : إن القلب فيه بخار لطيف ، هو عرش لروح الحياة ، وحافظ لها ، ألى يتوقف عليها وآثارها ، وروح الحياة هذه عرش ، ومرآه لروح الإلهية التى هى النفس الناطقة ، وواسطة بينها وبين البدن بها ، يصل حكم تدبير النفس .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٠٠