وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِیعࣰا قَبۡضَتُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِیَّٰتُۢ بِیَمِینِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ٦٧
الرسم الإملائيّ
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
الجزء ٢٤الربع ١٨٦ صفحة ٤٦٥
تفسيرها
}وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴿ ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه،(لعله) حين عصوه وخالفوا أمره ؛ ثم أخبر عن عظمته ، فقال: ﴾وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴿ أي : أنها في قدرته وملكه وسلطانه؛ ويقال: الأشياء في قبضة الله ،أي :ملكه، ﴾وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴿ تنبيه على عظمته وحقارة الفعال العظام التى تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى قدرته، ودلالة أن تخريب العالم أهون شئ عليه ، ﴾سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) {.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٥
قوله : ﴿ وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظّموا الله حق عظمته [ إذ عبدوا الأوثان من دونه ] ﴿ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي : بقدرته ﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ أي : بملكه وسلطانه ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ ينزّه نفسه ﴿ وَتَعَالَى ﴾ أي ارتفع ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ . فإن زعم زاعم أن الله يقبض كما يقبض الخلق ، أو له يمين أو شمال كما للخلق فقد كفر بالله .
حدث أبو عبدالرحمن عن أبي الفضل عن مروان عن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن عائشة أنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة قوماً يضاهون الربّ . قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، كيف يضاهون الرّب؟ قال : يشبّهون الله بأنفسهم يضاهون بذلك قول اليهود حيث زعموا أن الله على صورة آدم . »
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٥
﴿ وما قَدَرُوا الله حقَّ قدْره ﴾ ما أعطوه حق شأنه ، وهو القدر الذى يستحقه قاله المبرد بالمعنى كما تقول مقدار فلان ، ورتبة فلان ، ونصيب فلان ، الا أن الله سبحانه لا يوصف بالمقدار ، والارتبة والنصيب ، وليس قول المبرد خارجا عن قولك : ما عظموا الله حق عظمته ، وقولك : ما وصفوا الله حق وصفه ، وذلك أنهم طلبوا شركة آلهتهم بالعبادة بالمسح ، وقالوا : هو عاجز عن البعث ، وقالوا : خلق الخلق لا لحكمة ، ولا ليعبدوه وحده ، وهم قريش ، لأن الكلام فيهم ، وقيل : المراد اليهود اذ وصفوا الله بالجسم والأعضاء والحلول .
﴿ والأرْضُ جَميعاً ﴾ حال من المبتدأ على جوازه وعلى المنع يقدر له ناصب من جملة معترضة أى أثبتها جميعا ، فجميعاً حال من ضمير النصب فى أثبتها ، أو حال من ضمير فى نعت مقدر ، أى والأرض المعتبرة جميعا ، أو المقصودة جميعا ، أو حال من المستتر فى قبضته ، لأنه مصدر مراد به اسم المفعول ، أى مقبوضته ، ولا مانع من تقديم معموله ، لأنه ليس على معنى انحلاله الى الفعل ، وان المصدرية ، ولأنه بمعنى مفعول ، ويجوز أن يراد بالأرض الأرضون ، والاعراب واحد ، وجاء الأرضون فى الحديث تفسيرا لقبض الأرض ، فتعين التفسير بهن .
﴿ قبْضَتهُ ﴾ أى ذات قبضة له ، أو مقدرا الأرض قبضته ، أو بمعنى مقبوضة أى مطوية ، كما جاء فى الحديث ، ويجعل الله بدلها إذا طويت أرضا بيضاء خبزة فى حق المؤمن ، يأكل منها لا فى حق الكافر كذا قيل ، وذلك قبض طى واختلاف تحقيقا لقوله تعالى : ﴿ يَوْم القيامة ﴾ وفيه مع ذلك التصريح بقدرته ، وليس المراد بيان القدرة فقط ، وإلا لم يذكر يوم القيامة ، لأنه قادر قبل وبعد ، ويجوز أن يراد الملك ، وذكر اليوم لأنه وقت الهول ، مبعنى لاتصرف لأحد فيه كما قال : ﴿ الملك يؤمئذ لله ﴾ ﴿ والسَّموات مَطوياتٌ ﴾ تطوى وتفنى على حد ما مر فى الأرض ﴿ بيمينِه ﴾ بقدرته ، وقيل : بقسمه لأنه سبحانه وتعالى أقسم أن يفنيها ، وهو قول ضعيف ، والصواب أن الطى على ظاهره لا بيان لقدرته وملكه فقط ، دون طى حقيق ، ففى الطى الحقيق جرى على الظاهر ، واظهار للقدرة ، وذكر القبضة واليمين مراد بهما القدرة خطابا لنا بما نفهم ، لأن أفعالنا بالأيدى ، ولما كانت السموات أفضل من حيث اعتبار الوسع والعلو ، ذكرها باليمين لأنها أقوى فى العمل ، ولأنها المستعملة فيها يكرم ، وكأنه قال الأرض قبضته باليمين سبحانه عن صفات الخلق ، وطى السموات قبل طيه الأرض ففى مسلم عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يطوى الله تعالى السموات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده اليمنى ، ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوى الأرضين بشماله ثم يقول : أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ »
والمراد القدرة ، وفى مسلم عن ابن عمر حكاية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريك يديه ، لأخذ الله السموات والأرض بيديه وأصابعه ، يقبض الله ذلك فى البخارى والنسائى ، وابن ماجه ، وذكرت اليهود ذلك على ظاهره من التجسيم ، فنزلت الآية فيهم ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ أو نزلت فى غيرهم كما مر لا بهذا المعنى .
ولما قال اليهود ذلك ، قل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وما قدروا الله حق قدرة ﴾ قالوا يحمل السموات على أصبع والأرضين على أصبع ، والشجر على أصبع ، والماء والثرى على أصبع ، وسائر الخلق على أصبع ، وفى الترمذى والبيهقى : مر يهودى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : كيف تقول يا أبا القاسم اذا وضع الله السموات على ذه ، وأشار بالسبابة ، والرضين على ذه ، والجبال على ذه ، وسئر الخلق على ذه ، يشير بأصابعه؟ يعنى عن الترتيب من السباتة ، فأنزل الله تعالى : ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ .
﴿ سُبحانه وتعالى عمَّا يُشْركُون ﴾ عن اشراكهم ، أو عما يشركونه من الآلهة ، والأول أولى ، لأنه أعم يدخل فيه الاشراك بغير الآلهة كالوصف له تعالى بالأصابع واليدين ، والجنب تحقيقا لا مجازا .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٢٥