سورة النساء · الآية ١١٦ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ وَمَن یُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِیدًا١١٦
الرسم الإملائيّ

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

الجزء ٥الربع ٣٩ صفحة ٩٧

تفسيرها

[سورة النساء — آية 116]

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ قال أبو سعيد في تأويل هذه الآية : (( فمن قامت عليه الحجة وبلغته المعرفة ، فخالف بعد بلوغ الحجة والمعرفة ببيان الحق من الباطل ، والضلال من الهدى ، فيفعل ما قد نُهي عنه كان مشاققا لله ولرسوله والمسلمين ، متبعا لغير سبيل المؤمنين ، ولا عذر له ، ولا يعلم في ذلك اختلافا )) . ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ الصغائر ، ﴿ لِمَن يَشَاءُ ﴾ لمن اجتنب الكبائر ، وهو يقتضي جميع الكبائر التي لم يتب منها ، ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ ﴾ بأي شرك كان ، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ عن محجة الصواب .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٩

[سورة النساء — آية 116]

قال الحسن : ثم استتابه الله فقال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ . فلما نزلت هذه الآية رجع إلى المسلمين . ثم إنه نقب على بيت من المسلمين بيتاً ، فأدرك وقد وقع عليه الحائط فقتله .

وقوله : ﴿ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ ﴾ والمعروف القرض .

وأما قوله : ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾ أي من آلهة الباطل .

قوله : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ فبلغنا أنها لما نزلت قال إبليس وجنوده : ذهب عملنا باطلاً؛ إذا فتنّاهم استغفروا فغفر لهم . فقال إبليس : لأحملنهم على أمر يدينون به فيقتل بعضهم بعضاً .

قال الحسن : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش بينهم وما يحقرون من أعمالهم قد رضي » .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٩

[سورة النساء — آية 116]

﴿ إنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِؤُ مَأ دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ عن الحق ، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال ، كرر مبدأ الآية للتأكيد ، أو لأن الآيات المتقدمة نزلت فى سارق الدرع ومن يشاقق الرسول فى ارتداده ، وختم الأولى بقوله فقد افترى ، وهذه بقوله فقد ضل ، لأن الأولى فى أهل الكتاب ، وهم يتعاطون الحق عن الله عز وجل ، وكذبوا عليه بأن عيسى إله أو ابن إله ، وأن عزيراً ابن الله ، وكذبوا فى قولهم محمد صلى الله عليه وسلم غير نبى ، وأن القرآن ليس من الله عز وجل ، والثانية فى مشركى العرب ، لا يتعاطون ذلك ، فناسب وصفهم بمطلق الضلال البعيد ، روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن أعرابيَّا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنى شيخ لم أشرك بالله تعالى شيئاً ، مذ أسلمت ، منهمك فى الذنوب للهوى لا جرأة على الله وما توهمت أنى أعجز الله تعالى ، فما حالى؟ فنزلت الآية ، وجعلت هنا ، وأيضاً تقدم هنا ذكر الهدى ، والضلال ضده ، ومن ضلالهم البعيد فى الشرك أنهم يعبدون جمادات إناثاً تنفعل ولا تفعل ، ومن شأن الرب أن يكون فاعلا لا منفعلا ، وذلك من شدة سفههم كما قال :

﴿ إن يَدْعُونَ ﴾ يعبدون ، أو ينادون فى مصالحهم ﴿ مِن دُونِهِ إلاّ إِنَاثاً ﴾ الللات والعزى ومناة ، وهذه أسماء لأصنام ، مذكرة ومؤنثة لفظياً بالتاء والألف ، اعتبر تأنيثها فى الضمائر ، والإشارة ، والنعت ، وغير ذلك تبعاً لتأنيث اللفظ ، كما قد يؤنث الخليفة لمذكر اعتباراً للفظ وكالقراد يذكر ، وإذا سمن لحقت اسمه التاء فقيل حلمه ، فتؤنث فى ضميرها ونحوه ، والمسمى واحد ، ولأنهم يزينونها بزينة النساء ، ولأنهم يقولون فى أصنامهم إنها بنات الله ، جل الله وعز ، ولضعفها وانحطاط قدرها كالأنثى ، والعرب تسمى ما اتضع انثى ولأن لكل ضم شيطانه تظهر أحياناً صجفته ، ولكل حى من العرب ضم عيال له أنثى بنى فلان ، وقال مقاتل وقتادة والضحاك : إلا إناثاً أمواتاً لا روح فيها ، والجماد يدعى أنثى تشبيهاً له بها من حيث إنه منفعل لا فاعل ، أو الإناث الملائكة ، فى زعمهم أنها بنات الله ، مع اعتقادهم أن إناث كل شىء أخسه ، ليسمون الملائكة تسمية الأنثى ، وزاد بياناً لبعد ضلالهم ، أنهم يدعون من تجرد عن الخير كله إلى الشرك كله ، ولعن ، وكان فى غاية العدوة لهم ، فكيف يصل إليهم خير منه وهو إبليس كما قال ﴿ وَإن يَدْعُونَ ﴾ فى دعائهم لها أو عبادتهم أو طاعتهم ﴿ إلاّ شَيْطَاناً ﴾ لأنه أمرهم بتلك العبادة ﴿ مَّرِيداً ﴾ متجرداً عن الخير كل تجرد ، هو إليس عند مقاتل ، ولا يوجد فى كل صنم ، بل نوابه نم الجن ، وعن سفيان : فى كل صنم شيطان ، ومادة مرد التجرد عن الشىء بعد حصوله ، كتمرد الشجرة عن الورق ، أو انتفاثه عنه من أول ، كالشىء الصقيل الذى لا يتعلق به شىء ، والشاب الذى لا شعر فى وجهه .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٠٩