وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِیحَ عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِینَ ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ لَفِی شَكࣲّ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ یَقِینَۢا١٥٧
الرسم الإملائيّ
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
الجزء ٦الربع ٤١ صفحة ١٠٣
تفسيرها
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ ﴾ سُمِّي مسيحا قيل : لأن جبريل مسحه بالبركة ، أو لأنه كان يمسح المريض والأكمه والأبرص فيبرأ ، فسُمي مسيحا بمعنى الماسح . ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ إتباع الظن ليس من جنس العلم ، ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً o بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٠
﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ أي مسح بالبركة ﴿ رَسُولَ الله وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ أي ألقى الله على رجل شبه عيسى فقُتِلَ ذلك الرجلُ .
وقال بعضهم : ائتمروا بقتل عيسى وزعموا أنهم قتلوه وصلبوه .
ذكروا أن عيسى قال لأصحابه : أيّكم يُلقى عليه شبهي وأنه مقتول؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله . فقُتِل ذلك الرجل ومنع الله نبيَّه ورفعه إليه .
وقال مجاهد : صلبوا رجلاً غير عيسى يحسبونه إياه ، ورفع الله عيسى حيّاً .
قوله : ﴿ وَإِنَّ الذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ كان بعضهم يقول : هم النصارى اختلفوا فيه فصاروا فيه ثلاث فرق . وقال بعضهم : صارت النصارى فيه فرقتين : فمنهم من شهد أنه قتل ، ومنهم من زعم أنه لم يقتل .
قال الله : ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أي ما قتلوا ظنهم يقيناً ﴿ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليهوسلم ذكر في حديث ليلة أسري به أنه أتى على يحيى وعيسى في السماء الثانية .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٠
﴿ وَقَوْلِهِمْ ﴾ مفتخرين ﴿ إِنَّا قََلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ وصلبناه بدليل ، وما صلبوه ، وقوله ﴿ رَسُولَ اللهِ ﴾ من كلام الله تعظيما له ، لا من كلامهم لأنهم لا يقرون برسالته ، كما تقول ، قال عمرو ، إنى أكرم زيداً القرشى ، وعمرو لم يذكر لفظ القرشى ، بل زدته أنت ، إذ كان مراداً لعمرو ، فإن هذا النعت والبدل والبان والتوكيد ، كعطف التلقين ، أو يقدر أو مدح رسول الله ، أو قوله رسول الله من كلامهم تهكماً برسالته ، كقول قريش يأيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون ، وقول فرعون : إن رسولكم الذى أرسل إليكم لمجنون ، أو مرادهم رسول الله بزعمه ، أى زعم عيسى ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ﴾ نائب الفاعل ، أو شبه هو ، أى عيسى بغيره لهم ، أو شبه هو ، أى المقتول بعيسى ، وهو أولى ، لأن المتبادر أن يشبه غير عيسى بعيسى ، وقل ، إن الضمير للأمر وأن التشبيه اللبس ، قال رهط من اليهود هو الساحر بن الساحرة ، الفاعل بن الفاعلة ، قذفوه وأمه ، ولما سمع عيسى ذلك قال ، اللهم ، أنت ربى وأنا من روحك خرجت وبكلماتك خلقتنى ، ولم آتهم من تلقاء نفسى فالعن من سبنى وسب أمى ، فاستجاب الله تعالى دعاءه ، ومسخ الذين سبوه وسبوا أمه قردة وخنازير ، فخاف يهوذا رئيسهم دعوته ، فاجتمعوا على قتله ، فبعث الله جل وعلا جبريل يخبره بأ ، ه يرفعه للسماء ، فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى إليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقام رجل منهم ، فألقى الله عليه الشبه فقتلوه وصلبوه ، ويقال ، كان رجل ينافقه فخرج ليدل عليه وأعطوه ثلاثين درهما فألقى درهما فألقى الله عليه الشبه فأخذ وقتل وصلب ، وقيل ، دخل طيطابوس اليهودى بيتاً وهو فيه فلم يجده ، وألقى الله عليه شبهه ولما خرج ظنوه عيسى فأخذ وصلب ، ويقال ، وكلوا به رجلا يدور معه حيث دار ، فصعد الجبل فجاءه الملك فأخذ بضبعيه ورفعه إلى السماء ، وألقى الله على الرجل شبه عيسى فظنوه عيسى فقتلوه وصلبوه ، وكان يقول : أنا فلان لا عيسى ، فلم يصدقوه ، ويقال ، خاف رؤساء اليهود فتنة العامة فأخذوا رجلا فقتلوه وصلبوه فى جبل ومنعوا الناس من الدنوا إليه حتى يتغير ، وشبهوا عل الناس أنه المسيح لأن عيسى المسيح لا يعرف إلا بالاسم ، لأنه لا يخالط الناس إلا قليلا ، وتواتر النصارى أنهم شاهدوا عيسى قتيلا لا يتم لانتهائه إلى قوم قليلين لا يبعد اتفاقهم على الكذب ، ولأنه قد يشبه لهم كما شبه على اليهود ، وقال أبو حيان : لم نعلم كيفية القتل ، ولا من ألقى عليه الشبه ولا يصح بذلك حديث ، وروى النسائى عن ابن عباس ، أن رهطا من اليهود سبوه وأمه ، فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير ، فاجتمعت الهيود على قتله ، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ، وعن الضحاك كما قال القرطبى ، أنه لما أرادوا قتل عيسى اجتمع الحواريون فى غرفة ، وهم اثنا عشر رجلا ، وقال وهب بن منبه سبعة وعشرون ، فدخل عليهم المسيح من مشكاة الغرفة ، فأخبر إبليس جميع اليهود فركب أربعة آلاف رجل ، فأخذوا باب الغرف ، فقال المسيح للحواريين : أيكم يخرج ويقتل ، ويكون معى فى الجنة؟ فقال رجل : أنا يا نبى الله ، فألقى إليه مدرعته من صوف وعمامته من صوف وناوله عكازه ، وألقى الله عليه شبه عيسى ، فخرج على اليهود فقتلوه وصلبوه وأما المسيح فكساه الله الريش وألبسه الور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فصار مع الملائكة ، وقيل كلهم ألقى الله عليهم الشبه ، فكل بصورة عيسى فقال اليهود : سحر تمونا ، بينوا لنا أيكم عيسى ، أو لنقتلكم جميعاً ، فقال عيسى : أيكم يخرج .
. الخ ، وأنكر الروم إلقاء الشبه ، وقالوا إنه إضلال ، ويجاب بأنه لو لم يثبت إلقاء الشبه لزم تكذيب المسيح وإبطال نبوته وسائر النبوات ، وأيضاً أقروا بأن المصلوب قال إلهى إلهى ، لم تركننى ، وهذا مناف للرضى ، وأنه طلب الماء وشكا العطش ، وفى الإنجيل أن المسيح يطوى أربعين يوما ، فالمصلوب الشبه ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ فى شأنه ، وهم اليهود ، فقال بعض : إنه كاذب فقتلناه ، وقال بعض وجه هذا القتيل وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وقال بعض : إن كان هذا عيسى فإين صاحبنا ، ويقال : إن اليهود حبسوا عيسى مع عشرة من الحواريين فى بيت ، فدخل رجل من اليهود ليخرجه فيقتله ، فألقى الله عليه شبه عيسى فقتلوه ، وقال من سمع منه ، إن الله يرفعنى إلى السماء ، أنه رفع إلى السماء ، وقيل : إن المختلفين النصارى ، فقال قوم : صلب الناسوت وصعد اللاهوت ، وهم النسطورية ، ولا يعدون القتل نقيصة لأنه وقع على الناسوت لا على اللاهوت ، وقال الملكانية : القتل والصلب وصلا إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة ، وقال اليعقوبية : القتل والصلب وقعاً بالمسيح الذى هو جوهر متولد من جوهر ، وهم القائلون ، المسيح صار بالاتحاد طبيعة واحدة ، وليس فى الطبيعة الواحدة ناموس متميز عن لاهوت ، والشىء الواحد لا يقال فيه مات ولم يمت ، وأهين ولم يهن ، وقالت الروم : هى على طبيعتين مع الاتحاد ، قلنا : إن فارق اللاهوت ناستوته عند القتل ، فقد أبطلوا دينهم ، إذا لم يستحق الربوبية إلا بالاتحاد ، وإن لم تفارقها فقد قتل الناسوت واللاهوت معاً ، وإن أرادوا بالاتحاد أن الإله جعله مسكناً ، وفارق المسكن عند ورود القتل على الناس فقد ابطلوا الهيئة ، وقد أهين إذ لم يأنف اللاهوت عن مسكته ، وأساء الجواز إن قدر على الانتصار ، ولم ينتصر وإن لم يقدر فأبعد عن الربوبية ، وهذا هو المراد بقوله : وإن الذين اختلفوا فيه ، والناسوت جسمه واللاهوت روحه ﴿ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ لفى تردد من شأنه ولو من قال رفع لأنه لم يجزم ولو سمعه منه ، وهذا هو المراد ، وأصله استواء الطرفين ، ولكونه هنا لعدم الاستواء أكده بنفى العلم فى قوله ﴿ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمِ إِلاّ اتِبّاعَ الظَّنِّ ﴾ الاستثناء منقطع ، لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم ، كماأن الظن ليس من جنس العلم ، وإن فسرنا الشك بالجهل ، والعلم بالاعتقاد الذى تسكن إليه النفس ، جزماً كان أو غيره ، كان الاستثناء متصلا ، والشك والظن لا يجتمعان ، لأن إدراك النسبة مع الشك فيها لا يترجح فيه أحد الجانبين على الآخر ، وإدراكها بطريق ترجح أحدهما ظن ، والرجحان أحد طرفيه فالشك بمعنى التردد كما مر ، فإن الشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد وعلى ما يقابل العلم فأكده بقوله ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ، والفرق بين التردد الذى هو عدم الجزم وبين ما يقابل العلم أن الثانى أعم ، لأنه كما يتناول الشك المصطلح عليه والظن يتناول الجهل ، وهو الاعتقاد غير المطاق لا يتناوله التردد ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴾ أى انتفى قتلهم إياه ، انتفاء يقيناً ، أى انتفاء يتيقنه أهل الحق ، أو ما أيقنوا قتله ، أى ما قتلوه موقنين بأنه عيسى ، أو بالقتل ، أو ذوى يقين ، أو ماقتلوه قتلا يقيناً ، ولا يجوز نصبه بقوله :
﴿ بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ﴾ لأن معمول المعطوف لا يتقدم على العاطف ، وقيل ، ما قتلوا العلم ، أى بالغوا فيه ، وقيل ، ما فطعوا الظن يقيناً ، ومعنى رفعه الله رفعه إلى السماء وإيصاله إلى موضع لا يجرى فيه حكم غير الله جل جلاله ، فلا يجرى عليه حكم العباد ، وهو فى السماء الثالثة ، وقيل الثانية ، وقيل حول العرش مع الملائكة ، لا يأكل ولا يشرب ، وينزل آخر الزمان فيسلم الناس كلهم يموْت و ويدفن فى حجرة النبى صلى الله عليه وسلم ، وقيل فى بيت المقدس ، ويحج ويعتمر ، ويتزوج ويضع الجزية ويقتل الخنزير ويمحو الصليب ﴿ وَكَانَ اللهُ عَزيزاً ﴾ لا يردهما أراد لكمال قدرته ومنها رفع عيسى ﴿ حَكِيماً ﴾ قولا وفعلا ، ومن حكمته رفع عيسى إلى السماء ، وإلقاء الشبه ، والمختار أن رفعه قبل صلب الشبه ، وأدم فى الأولى ، ويحيى وعيسى فى الثانية ، ويوسف فى الثالثة ، وإدريس فى الرابعة ، وهارون فى الخامسة ، وموسى فى السادسة ، وإبراهيم فى السابعة .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٥٠