وَلَا تُؤۡتُوا۟ ٱلسُّفَهَاۤءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِی جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِیَٰمࣰا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِیهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا٥
الرسم الإملائيّ
وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا
الجزء ٤الربع ٣١ صفحة ٧٧
تفسيرها
﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ ﴾ فقد قيل ذلك في النساء والصبيان ، لا يملكون ما يكون به العون على الطاعة من الأموال ، فيبذرونها ويتلفونها ؛ فيكون ذلك ضياعا في المال . وسماهم سفهاء استخفافا لعقلهم ، واستهجانا لجهلهم . ﴿ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ أي : قواما لأبدانكم ومعاشا لأهلكم وأولادكم وأنموذجا لدينكم ، وقيل : المال سلاح المؤمن . وفي المعنى : يخرج ذلك في الوارث إذا لم يؤدِّ لوازمه من ماله وخلف لوارثه ، لأنه إذا منع إتيانه في حياته فأولى بالمنع بعد موته ؛ ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾ أي : أطعموهم واكسوهم لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته ، أو المعنى : الصدقة لمن لا تجب له . ﴿ وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ عذرا عن تسليم ما يطلبون ، وكلُّ ما سكنت إليه النفس لحسنه عقلا أو شرعا من قول أو عمل فهو معروف ؛ وما أنكرته لقبحه فهو منكر .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٩٨
قوله : ﴿ وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ أي : النساء هن السفهاء .
وقال مجاهد : هن النساء من كن : بنات أو أخوات أو أمهات . وقال الكلبي : هن النساء والأولاد؛ إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة ، أو ابنه سفيه مفسد ، فلا ينبغي له أن يسلّط واحداً منهما على ماله .
قوله : ﴿ الَّتِي جَعَلَ الله لَكُمْ قِيَاماً ﴾ لمعايشكم وصلاحكم . قال : ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا ﴾ أي في أموالكم ﴿ وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ أي العِدَة الحسنة . وقال بعضهم : أمر الله بهذا المال أن يُخزَن فتُحسَن خِزانتُه ، ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الصبي السفيه .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٩٨
﴿ وَلاَتُؤْتُوا ﴾ الخطاب للأَولياء ونحوهم من الأوصياء والأزواج والوكلاء والمحتسبين ﴿ السُّفَهَآءَ ﴾ الأطفال والمجانين والبله ، ومن يضيع ماله أو ينفقه فى المعصية ، أو لا يقوم به من الرجال أو النساء فسفههم سوء ، فعلهم لخفة عقلهم ﴿ أَمْوَالِكُمُ ﴾ أى أموالهم ، ولكن أضافها للأولياء المخاطبين ونحوهم لأنهم امروا أن تكون تحت أيديهم ويحافظوا عليها كأموالهم ويخرجوا زكاتها ، أى لا تتركوها تحت أيديهم إن كانت عندكم فأمسكوها وإلا فخذوها حفظاً لها وذلك يناسبه أن الكلام قبل وبعد فى اليتامى فألحق بهم أمثالهم ، وقيل الخطاب لأصحاب الأموال ، نهوا أن يؤتوها لمن ذكر فيفسدوها ، ويكونوا يطالبونهم بما يحتاجون إليه منها كأنهم غير مالكين لها ، وأمروا بإمساكها وإقامتها والإنفاق منها بما شاءوا عليهم من العدل ، ولا يرد على هذا القول بأن النهى للتحريم ، ولا يحرم عليه أن يعطى من ماله لهؤلاء ، لأن صاحب هذا القول يفسر الإيتاء بالتمكين من المال لا بالتمليك ، نعم القول المعروف المأمور به فى الآ ية يناسب كون الخطاب للأَولياء ، ونحوهم ﴿ الَّتِى جَعَلَ اللهُ ﴾ جعلها الله ﴿ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ أى من جنس أموالكم التى تقوم بحياتكم ، وذلك أن الخطاب لنحو الأولياء ، والمال لنحو اليتامى ، لا للأَولياء ، وفيه تأكيد الحفظ ، كما يحفظ الرجل مال نفسه ، أو يقدر جعل الله مثلها لكم قياماً ، وكأنها قيم لهم مع أنها قيم لنحو اليتامى ، وإن جعلنا الخطاب لأصحاب الأموال فالمال مالهم ، وهو قيم لهم ، وسمى ما به القيم قيما ، مبالغة فى السببية ، حتى كأنها نفس القيام ، أو هو اسم لما يقام به ، والأصل قوماً كعوض وحول ، لكن أعلت حملا على قيام ، وقيل هو قيام حذفت ألفه ﴿ وَارْزُقُهُمْ فِيهَا ﴾ أى منها ، أو اجعلوها مكاناً لرزقهم ، أى اجعلوا لهم فيها رزقاً بالتجر فلا تفنى ، لكون الرزق من أرباحها ، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم الأمر بالتجر بأموال لايتامى ، وهذا أولى من الوجه الأول ، وهو كون فى بمعنى من الابتدائية ، أو التبعية ﴿ وَاكْسُوهُمْ ﴾ منها ، أو اجعلوها مكاناً لكسوتهم بالتجر على حد ما مر ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ يعرف شرعاً بالحسن ، فيتبعه العقل السليم ، وهو ضد المنكر ، مثل أن يقول : إن ربحت فى سفرى أو غنمت فى غزوتى أعطك كذا ، أو حظَّا ، وأن هذا المال مالك إذا بغلت حين القيام به أرده إليك ، ونحو ذلك من الوعد الجميل والقول الحسن ، و منه أمره بالمحافظة على الصلاة ، وسائر الدين ، وترك الإسراف ، وأن عاقبة المسرف الاحتياج إلى الناس ، وروى أن رفاعة مات وترك ابنه صغيراً ، اسمه ثابت ، فقال عمه : يا رسول الله ابن أخى يقيم فى حجرى ، ما يحل لى من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزل قوله تعالى :
﴿ وَابْتَلُوا ﴾ اختبروا ﴿ اليَتَامَى ﴾ قبل البلوغ ببيع ما قل ، وشراء ما قل ، وبيع الطفلة عزلها ونحوه مما قل ، وشراء مثل ذلك ، أو بقوله على تبيع كذا بكذا أو تشتريه بكذا ، أو يعقد بيعاً أو شراء ويحضر له ، فيقول له : هل يصلح هذا فيمضى البيع ، لأن الولى أذن له خلافاً للشافعى فإنه يوقفه على إمضاء الولى ، ولا يشترط اختباره فى دينه خلافاً للشافعى ﴿ حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ حد النكاح ، وهو البلوغ بإحدى علامات البلوغ ، فإن لم تكن فخمس عشرة سنة عندنا وعند الشافعية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود ، أو الطفل أربع عشرة ، والأنثى ثلاث عشرة ، وزعم أبو حنيفة أن مدة البلوغ الذكر ثمانى عشرة سنة والأنثى سبع عشرة ، وله قول كقولنا تفتى به الحنيفة ، وتمسك لقوله الأول بقوله تعالى : حتى يبلغ أشده ، إذ قال ابن عباس : أشده ثمانى عشرة ، وحتى للابتداء والتفريع ، ولا تخلو عن غاية ﴿ فَإِنْ انَسْتُم ﴾ أبصرتم ﴿ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ صلاحاً فى المال عندنا ، ويدل له قوله : واتبلوا اليتامى ، فإنه فى المال ، قال الشافعى : وفى الدين ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ فالاختبار قبل البلوغ والدفع بعده ، وبعد الإيناس ، وإن بلغوا ولم يؤنس رشدهم لم يدفع إليهم أموالهم ولو بلغوا خمساً وعشرين سنة أو أكثر ، وزعم أبو حنيفة أنه لا يدفع إليهم أموالهم ولو أونس رشدهم ما لم يبلغوا خمساً وعشرين ، وإذ بلغوها دفعت إليهم دفعت إليهم ولو لم يؤنس رشدهم ، لما روى عن عمر رضى الله عنه : ينتهى لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين ، ولا تدفع لهم قبل البلوغ ولو أنس رشدهم ، وإن بلغوا ورشدوا وأرادوا أن لا يأخذوا جاز إمساكها إذا كان باختيارهم ، لا خوفاً ولا مداراة ، وزاد سبعاً على مدة البلوغ عنده ، لأن السبع معتبرة فى تغير أحوال الإنسان ، كقول صلى الله عليه وسلم :
« مروهم بالصلاة لسبع » ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً ﴾ أكل إسراف أو مسرفين وذوى إسراف ، أو لأجل إسراف ، وكذا فى بدار ، أو جاز أكل بمعروف فى مقابلة عملكم ، ولما يفسد من طعامكم إن لم يؤكل مع تعويض ﴿ وَبِدَاراً ﴾ أى سرعة ، وليس الفعال على بابه ، إلا أن يقال ، إن اليتيم يبادر النزع أو شبه الفعل بلا مفاعلة ، كالفعل بها ، لجامع شجة الاجتهاد بها ، وشبه مجىء زمان كبرهم شيئاً فشيئاً بمن يتعاطى أن يكون أسرع منهم ﴿ أن يَكْبَرُوا ﴾ مفعول به لبدارا ، من إعمال المصدر المنون ، أو تقدر لام التقوية ، أو إلى ، أو مخافة أن يكبروا ، وكانوا يسارعون فى أكل أموال اليتامى قبل أن يبلغوا أو يطلبوها ، فنهوا عن ذلك ، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما - قال رجل : يا رسول الله إن فى حجرى يتيما فآكل من ماله ، قال : كل بالمعروف غير متأثل بماله مالا ، ولا واق مالك بمالك لقوله تعالى ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيَّا ﴾ من أولياء اليتامى والأوصياء ونحوهم ممن كان مال اليتامى فى أيديهم ﴿ فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ من الأكل منها ، والاستعفاف للمبالغة أى فليطالب نفسه مطالبة شديدة فى الامتناع عن الأكل منها ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ ﴾ كمخ ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قيل هو أجرة عمله تقدر بعدل ، وقيل بأقل من أجرة سعيه ، وعندى أن ذلك غير أجرة ، وعبارة بعض أن الولى الفقير يأخ بلا إذن أقل الأمرين من النفقة والأجرة بالمعروف على سعيه ، لأنه تصرف فى مال من لا تمكن مراجعته كعامل الصدقة ، والمراد بالأكل ما يشمل سائر المؤونات أو ظاهره ، ويقاس عليه غيره ، ولا يأخذها الحاكم إلا بإذن الإمام أو الجماعة ، وكذا الإمام بإذن من معه من قيام الإسلام ، وقيل الأكل بالمعروف الاستقراض ويشهد عليه ، وإذا أيسر قضى ، وعن عمرو رضى الله عنه : إنى أنزلت نقصى من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن احتجت أخذت منه بالمعروف ، فإذا أيسرت قضيت ، قلت : بل هذا فى القرض منه زيادة على ما فى الآية من الأكل بالمعروف ، وعنه أنه كتب إلىعمار ، وعهد الله بن مسعود ، وعثمان بن ضيف : سلام عليكم ، أما بعد ، فإبى قد رزقتكم كل يوم شاة شطرها لعمار ، وربعها لعبد الله بن مسعود ، وربعها لعثمان ، ألا وإبى نزلت نفسى فليأكل بالمعروف ، وقيل القرض من الذهب والفضة ، وله مع ذلك التناول من اللبن واستخدام العبيد وركوب الدواب بلا مضرة للمال تمسكا يقوله تعالى ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالِهُمْ ﴾ لإيناس الرشد إذا أردتم دفع أموالهم إليهم ﴿ فَاشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أمناء ، أو أمينين ، أى أحضروهم ، وادفعوا للأيتام أموالهم ، وأشهدوا ، لئلا ينسى اليتامى أو ينكروا ، أو اكتبوا ذلك ، وإن فى تحصيل براءة ذمته من التهمة والضمان ، والأمر للإرشاد ، قال صلى الله عليه وسلم :
« اتقوا مواقع التهم » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من وجد لقطة فليشهد ذوى عدل ولا يكتم » ، فأمره بالإشهاد لنزول تهمته ، ولا يصدق القيم فى قوله إنى أوصلت مال اليتيم إليه بلا بينة ولا إقرار اليتيم بعد بلوغه ، ويصدق فى قوله أنفقت عليه كذا ، مما لاق وأمكن ولم يتبين كذبه ، ولا يمين عليه ، وزعم أبو حنيفة أنه يقبل قوله ، وإن سائر الدعاوى لا بد فيها من بيان ، وإن أعطاه قبل البلوغ ضمن ما أفسد الطفل ، قيل وكذلك قبل إيناس الرشد يضمن ﴿ وَ : َفَى بِاللهِ حَسِيباً ﴾ محاسباً ، فلا يغرنكم ستر ما خدعتم به فى أموال اليتامى فى الدنيا .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٩٨