سورة النساء · الآية ٥١ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ نَصِیبࣰا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَیَقُولُونَ لِلَّذِینَ كَفَرُوا۟ هَٰۤؤُلَاۤءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ سَبِیلًا٥١
الرسم الإملائيّ

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٤ صفحة ٨٦

تفسيرها

[سورة النساء — آية 51]

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ ﴾ أي : الأصنام ، وكل ما عُبد من دون الله ، ومن كُتُب أصحابنا : << وسألته عن الجبت والطاغوت فقال : أما الجبت فحُييُّ بن أخطب >> ، ﴿ وَالطَّاغُوتِ ﴾ الشيطان ، ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٤٤

[سورة النساء — آية 51]

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ قال بعضهم : كنا نحدث أن الجبت هو الشيطان ، والطاغوت الكاهن . وقال مجاهد : الطاغوت الشيطان في صورة إنسان . وقال مجاهد : الجبت الكاهن ، والطاغوت الشيطان . وقال الحسن : الجبت : السحر .

قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً ﴾ . قال الحسن : يعنون به أصحابهم من اليهود أنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلاً .

وقال الكلبي : هم قوم من اليهود ، فيهم كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ، أتوا مكة فسألتهم قريش وأناس من غطفان؛ فقالت قريش : نحن نعمر هذا المسجد ، ونحجب هذا البيت ، ونسقي الحاج ، أفنحن أمثل أم محمد وأصحابه؟ فقالت اليهود : بل أنتم أمثل . فقال عيينة بن حصن وأصحابه الذين معه : أما قريش فقد عدّوا ما فيهم ففُضِّلوا على محمد وأصحابه ، فناشدوهم : أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فقالوا : لا والله ، بل أنتم والله أهدى . فقال الله : ﴿ أُولَئِكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ الله وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾ .

ذكر بعضهم قال : إنها نزلت في كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب اليهوديين من بني النضير؛ لقيا قريشاً بالموسم ، فقال لهم المشركون : أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ فإنا أهل السدانة ، وأهل السقاية ، وأهل الحرم . فقالا : بل أنتم أهدى من محمد وأصحابه ، وهما يعلمان أنهما كاذبان ، وإنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه؛ فأنزل الله هذه الآية : ﴿ أُولَئِكَ الذِينَ لَعَنَهُمُ الله ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٤٤

[سورة النساء — آية 51]

﴿ انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ ﴾ فى زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه ، وأن ذنوبهم فى أحد الملوين تكفر فى الآخر ﴿ وَكَفَى بِهِِ ﴾ أى بقولهم أنهم أزكياء ، أو بالافتراء ﴿ إثْماً مُبِيناً ﴾ وكانت طائفة من اليهود يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد فنزل قوله تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ تعجيب ﴿ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ ﴾ التوراة ، حال كونهم يؤمنون ، أو كأنه قيل ما حالهم العجيبة فقال ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ ﴾ اسم ضم مخصوص ، واستعمل فى كل ما عبد من دون الله من غير العقلاء ، وقيل أصله بالسين قلبت تاء ، هكذا الجبس ، وهو ما لا خير فيه ، أو الساحر بلغة الحبشة ، أو الشيطان بلغه الحبشة ، أو حيى بن أخطب أو كعب بن الأشرف ﴿ وَالطَاغُوتِ ﴾ الباطل ، من معبود وغير معبود ، عاقل أو غير عاقل ، وسبق ذكر فى سورة البقرة ، وعن عمر : هو الشيطان ، وقيل الشيطان كان فى صورة إنسان ، أو هو الكاهن ، أو كعب بن الأشرف ، أو من يكونون بين يدى الأصنام يعتبرون عنها الكذب ليظلوا الناس ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلآءِ ﴾ عبدة الأصنام من العرب ﴿ أَهْدَى ﴾ أفوم ، هو باق على التفضيل ، تهكما بهم ، أو باعتبار اعتقادهم ، أن لهم هدى ، لأن اسم التفضيل لا يخرج عن بابه مع وجود من التفضيلية ﴿ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلاً ﴾ وقبل نزلت الآية فى حيى بن أخطب بحاء مهملة وياء مفتوحة بعدها ياء مشددة ، تصغير حى ، حبر اليهود ، قال ما انزل الله على بشر من شىء ، فنزعوه ، وجعلوا فى رتبته كعب الأشرف ، وفى كعب هذا وجمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حرب أحد ، وقد جرى قبل ذلك عهد بين اليهود وبينه صلى الله عليه وسلم ، إنه إن لم يكونوا أعواناً له ولدينه على أعدائه لم يكونوا عليه ولا منضمين إل أعدائه ونقضوا العهد ، ونزل كعب على أبى سفيان ، فأحسن مثواه ، فنزل اليهود دور قريش ، فقال أهل مكة : إنكم أهل كتاب مثل محمد ، فأنتم أقرب إليه منكم إلينا ، فلانا من أن يكون هذا مكراً منكم ، فإن أردتم أن نخرج معكم يشيرون إلى غزوة الأحزاب الواقعة بعد ، فاسجدوا لآلهتنا وآمنوا بها حتى تطمئن قلوبنا إليكم ، ففعلوا ، وذلك إيمانهم بالجبت والطاغوت ، وقيل هما صنمان ، وقال كعب : ليجىء منا ثلاثون ، ومنكم ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة ، فتعاهد رب الكعبة لنجتهدن على قتال محمد ، ففعلوا ، وقيل أبو سفيان لكعب إنك لامرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أميون لا نعلم ، فأينا أهدى طريقاً ، أنحن أن محمد؟ فقال كعب : اعرضوا على دينكم ، فقالوا : نحن نذبح للحجيج الكوماء ، ونسبتهم الماء ، ونقرى الضيف ، ونفك العانى ، وفصل الرحم ، ونعمر بيت ربنا ، ونطوف به ونحن أهل الحرم ، ومحمد فارق دين آبائه ، وقطع الرحم ، وفارق الحرم ، وديننا القديم ، ودين محمد الحديث ، فقال كعب : أنتم والله أهدى سبيلا ، فأقول نزلت الآية فى ذلك كله .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٤٤