سورة النساء · الآية ٦٠ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاكَمُوۤا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوۤا۟ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِهِۦۖ وَیُرِیدُ ٱلشَّیۡطَٰنُ أَن یُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِیدࣰا٦٠
الرسم الإملائيّ

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا

الجزء ٥الربع ٣٥ صفحة ٨٨

تفسيرها

[سورة النساء — آية 60]

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يعني : المنافقين ، ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ إلى من يحكم بغير الحقِّ ، وقيل : هو كعب بن الأشرف سماه الله طاغوتا لإفراطه في الطغيان ، والطواغيت : الشياطين ، أو جعل اختيار التحاكم إلى غير رسول الله ، على التحاكم إليه تحاكما إلى الشياطين ، بدليل قوله : ﴿ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ﴾ عن الحقِّ ، ﴿ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ مستمرًّ إلى الموت ، أو يعسر التخلُّص منه .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٥٣

[سورة النساء — آية 60]

قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ .

قال الحسن : إن رجلاً من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق فدعاه المسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى وثن بني فلان الذي كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ، وعند ذلك الوثن رجل يقول للخصمين : قضى بينكما بكذا وكذا . وإنما عبادة الوثن عبادة الشيطان . والأوثان هي الطواغيت .

وقال الكلبي : إن رجلاً من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فقال اليهودي : انطلق بنا إلى محمد نختصم إليه . وقال المنافق : بل إلى كعب بن الأشرف ، وهو الذي يُسمَّى [ هاهنا ] الطاغوت في قول الكلبي : وقال بعضهم : أراد أن يحاكمه إلى كاهن بالمدينة فقال الله : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ .

قال تعالى : ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ . والطاغوت الشيطان . والكاهن من أمر الشيطان . والإِيمان بالشيطان كفر بالله ، والإِيمان بالله كفر بالشيطان . قال الله : ﴿ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤمِنُ بِالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى ﴾ [ البقرة : 256 ] .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« من أتى عرّافاً فصدّقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد » .

ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال : من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد .

قال الكلبي : فأبى المنافق أن يخاصمه إلى النبي ، وأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى النبي . فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقضى لليهودي . فلما خرجا من عنده قال المنافق لليهودي : انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب أخاصمك إليه . فأقبل معه اليهودي ، فدخلا على عمر ، فقال اليهودي : يا عمر ، إنا قد اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه ، فلم يرض هذا بقضائه ، وزعم أنه يخاصمني إليه ، فقال عمر للمنافق : أكذلك؟ قال : نعم . قال عمر : رويدكما حتى أخرج إليكما . فدخل البيت فاشتمل على سيفه ، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى بَرَد .

فأنزل الله على نبيه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا الله وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا الله تَوَّاباً رَّحِيماً فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ [ النساء : 64-65 ] .

ذكر بعضهم أنها نزلت في رجل من الأنصار يقال له بشر وفي رجل من اليهود في حق كان بينهما ، فتنافرا إلى كاهن كان في المدينة ليحكم بينهما وتركا نبيَّ الله . وذكر لنا أن اليهودي يدعوه إلى النبي ليحكم بينهما ، وقد علم أنه لن يجور عليه فجعل الأنصاري يأبى ، ويزعم أنه مسلم ، فنزلت فيهما هذه الآية .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٥٣

[سورة النساء — آية 60]

﴿ ألَمْ تَرَ ﴾ تعجب ﴿ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ ﴾ يقولون قولا كاذباً ، وقيل يظنون ، وقيه أنهم لا يظنون أنهم آمنوا بالقرآن بل يعلمون أنهم كفروا به ﴿ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ ﴾ حال ، أو كأنه قيل ما شأنهم ، فقال يريدون ﴿ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾ الكثير الطغيان أو الرئيس فى الضلال ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ﴾ أى بدينه ، أو معنى الكفر به أن لا يعتبروه فى أمر دينه ، وهو هنا كعب بن الأشرف لأن فيه كثرة الطغيان والرياسة فى الضلال ، أو إلى الشيان ، مع أن التحاكم إلى كعب ، لكن لما كان سبب التحاكم إليه الشيطان قال إلى الشيطان ، أو سماه شيطاناً استعارة أو حقيقة ، أو لأن الشيطان هوالحامل له على التحاكم إلى كعب ، فالتجوز إرسالى دعا يهودى بشراً المنافق أن يتحاكما إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب وتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحكم لليهودى ، فطلبه المنافق أن يعيدا إلى عمر رضى الله عنه ، فمضيا إليه ، فقال اليهودى : قد حكم لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرض بشر ، فقال لبشر : أكذلك؟ فقال : نعم ، فقال : رويداً حتى أخرج إليكما ، فدخل عمر البيت ، وأخذ سيفه ، فضرب به بشراً وقال : هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله ورسوله ، ونزلت الآية ، وقال لجبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل فلقب بالفاروق ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ ﴾ المدكور باسم الطاغوت أو جنس الشيطان ﴿ أن يُضِلَّهُمْ ﴾ عن الحق ﴿ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴾ أى إضلالا بعيداً عن الحق أو يضلهم فيضلوا إضلالا بعيداً .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٥٣