سورة النساء · الآية ٨٤ من ١٧٦

‹ السورة السابقة
فَقَٰتِلۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن یَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسࣰا وَأَشَدُّ تَنكِیلࣰا٨٤
الرسم الإملائيّ

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا

الجزء ٥الربع ٣٦ صفحة ٩١

تفسيرها

[سورة النساء — آية 84]

﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ لما تقدم في الآي قبلها تثبيطهم عن القتال قال : ( فقاتل في سبيل الله ) وإن أفردوك وأوحدوك . ﴿ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ ﴾ أي : لا تكلف إلاَّ تقويم نفسك ، كما قال : ( عليكم أنفسكم ) وهذه رحمة من الله منَّ بها على عباده . ﴿ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ وما عليك في شأنهم إلاَّ التحريض على القتال فحسب ، ﴿ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي : بطشهم وشدَّتهم ، بقتال المؤمنين الكافرين ، ﴿ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً ﴾ من الذين كفروا ، ﴿ وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ تعذيبا .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٧

[سورة النساء — آية 84]

قال : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أي على القتال ، أي أخبرهم بحسن ثواب الله في الآخرة للشهداء ﴿ عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذِينَ كَفَرُوا ﴾ . وعسى من الله واجبة . ﴿ وَالله أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً ﴾ أي أشد عذاباً وأشد عقاباً . وقال بعضهم : عقوبة ، وهو واحد .

قوله : ﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ﴾ قال بعضهم : حظ منها . ﴿ وَمَن يَّشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ . والكفل الاثم .

قال الحسن : الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين أن يُشفَع فيه ، والشفاعة السيئة ما يحرم في الدين أن يشفع فيه . والكفل الوزر ، وهو الذنب كقوله : ﴿ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ ﴾ [ الأنعام : 31 ] ، وقوله : ﴿ وَقَالَ الذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُم بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُم مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ﴾ [ العنكبوت : 12-13 ] أي : من اتبعهم على السيئة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً .

قوله : ﴿ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴾ أي مقتدراً .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٧

[سورة النساء — آية 84]

﴿ فَقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ أعداء الله أداء للفرض الواجب عليك ، وقصداً للثواب ، قيل الآية متعلقة بقوله : ومن يقاتل فى سبيل الله ، وقيل بقوله عز وجل : ومالكم لا تقاتلون إلخ ، قال الصديق : أقاتل أهل الردة وحدى ولو خالفتنى يمينى لقاتلها بشمالى ﴿ لاَ تُكَلِّفُ إلاّ نَفْسَكَ ﴾ إلا فعل نفسك ، لا يضرك مخالفتهم بتركهم الجهاد ، فالله ناصرك ، نزلت فى شأن بدر الصغرى الموعود من يوم أحد إلى ذى القعدة من قابل إذ دعا الصحابة إليها ، فما ذهب معه ، قيل ، إلا سبعون رجلا ، وصل بدرا فريحوا فى سوق ، ولم يجىء أبو سفيان فعيب ، فأنشأ غزوة الأحزاب من قابل ، وهى آخر عزو المشركين إليه ، وتقدم أنه الراجح أنه خرج فى ألف وخمسائة من أصحابه وعشرة أفراس ، واستخلف على المدينو عبد الله بن رواحة ، وأقاموا ثمانى ليال ببدر ينتظرون أبا سفيان ﴿ وَحَرّضِ المُؤْمِنينَ ﴾ أزل حرضهم ، وهو ما لا خير فيه ، والمراد الحث ، عليك تحريضهم على القتال إلا إثم مخالفتهم ﴿ عَسَى اللهُ أَن يَكُفَّ ﴾ عنهم ﴿ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أبى سفيان وغيره من المشركين ، وقد رجعوا عن بدر الصغرى بعد بدء الخروج إليها ، وذلك كفهم ، وأسلم أبو سفيان عند الفتح ﴿ وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً تَنكِيلاً ﴾ تعذيبا من قريش ، والبأس أعم من العذاب ، أو البأس الصولة أو الشدة والقوة ، وفى ذلك تهديد لمن لم يتبعه صلى الله عليه وسلم ، ولما حرض صلى الله عليه وسلم المؤمنين على الخروج إلى بدر الصغرى لم يجد بعضهم أهبة فيشفع له غيره إلى من يعينه ، فهذه الشفاعة الحسنة ، ووجد بعضهم أهبة فشفع له بعض المنافقين فى التخلف ، فهذه الشفاعة السيئة ، فذلك قوله تعالى :

﴿ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ إلخ ، وهو ثواب الشفاعة الحسنة ، والتسبب إلى الخير الواقع بها من دفع ضر وجلب نفع لوجه الله عز وجل ، أو مقدار من الثواب بسببها ، والتعبير بالنصيب فى الحسنة وبالكفل فى السيئة تفنن ، بالمعنى واحد ، وقيل الكفل غلب فى الشر وقل فى الخير ، كقوله تعالى : يؤتكم كفلين من رحمته ، فخص بالسيئة هربا من التكرير ، وللتطرئة ، وبهذا يجاب فى رد ابن هشام فى المسائل السفرية على من قال الكفل فى الشر ، بأن يقال مراد قائله الغلبة ، وقيل النصيب يشمل الزيادة والكفل والمساوى ، والشفع ضد الوتر ، فمن ذلك ضم الدافع أو الجانب نفسه إلى ذى الحاجة ، ومنه ضم الجار نفسه إلى لمشترى فى الشراء ، والجار أحق بصقبه ، والنصيب فى القليل والكثير ، والكفل فى المثل ، فاختير فى جانب السيئة : من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ، ويعترض بقوله : يؤتكم كفلين من رحمته لأنه فيه بمعنى الأكثر لا المساوى ، فإن الحسنة بعشر ، قال صلى الله عليه وسلم :

« من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب استجيب له » ، وقال المَلك آمين ، ولك مثل ذلك ﴿ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾ مقدار من الذنب مساوٍ لها ، والمعين على الشىء والدال عليه كفاعله ، أو مقدار من الذنب بسببها ، ودخل فى الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلم ، فإنه شفاعة إلى الله ، وفى الشفاعة السيئة الدعاء لمن لا يستحق بالسوء ، لأنه شفاعة إلى الشيطان ، كما قيل المراد بالشفاعة السيئة دعاء اليهود على المسلمين بالسوء ، وقيل إطلاق الشفاعة فى السوء مشاكلة ، وأصلها فى الخير ، وليس كذلك لأن الشفع ضد الوتر ، وقيل الشفاعة السيئة النميمة ، وقيل من يُشَفَّعُ كُفْرَهُ بقتال المؤمنين ، قال صلى الله عليه وسلم : « من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضاد الله تعالى فى ملكه ، وما أعان عل خصومة بغير علم كان فى سخط الله حتى ينزع ، وتجوز الشفاعة من الحدود إلى الدية » ﴿ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتاً ﴾ قادراً أو شهيداً ، أو حافظاً ، وأصله من القوت ، لأنه يقوى البدن ، وياؤه عن واو ، وقيل معناه المجازى .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٧٧