سورة غافر · الآية ٢٨ من ٨٥

‹ السورة السابقة
وَقَالَ رَجُلࣱ مُّؤۡمِنࣱ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَكۡتُمُ إِیمَٰنَهُۥۤ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن یَقُولَ رَبِّیَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَاۤءَكُم بِٱلۡبَیِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن یَكُ كَٰذِبࣰا فَعَلَیۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن یَكُ صَادِقࣰا یُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِی یَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی مَنۡ هُوَ مُسۡرِفࣱ كَذَّابࣱ٢٨
الرسم الإملائيّ

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ

الجزء ٢٤الربع ١٨٨ صفحة ٤٧٠

تفسيرها

[سورة غافر — آية 28]

}وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) ﴿ (لعله) التجاء إليه في عظيم مهماته، ﴾وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ

يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا{؟ وإنما أدرج نفسه في الضميرين، لأنه كان منهم في القرابة، وليريهم أنه معهم، ومساهمهم فيما ينصح لهم، فكان معهم وحدانيا في السر، خانعيا في الظاهر.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٦١

[سورة غافر — آية 28]

قوله : ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أي : من قوم فرعون ﴿ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ قال الحسن : قد كان مؤمناً قبل أن يأتيهم موسى ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاَ أَن يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ﴾ والبيّنات الآيات التي جاءهم بها موسى : يده وعصاه والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم ﴿ وَلَقدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ [ الأعراف : 130 ] . قال : ﴿ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ﴾ . كان موسى صلى الله عليه وسلم يعدهم عذاب الله في الدنيا والآخرة . إن لم يؤمنوا ، وقد كان مؤمن آل فرعون علم أن موسى على الحق . قال : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ﴾ أي : مشرك ﴿ كَذَّابٌ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٦١

[سورة غافر — آية 28]

﴿ وقال رجُلٌ ﴾ اسمه شمعان ، وقيل : خربيل ، وقيل : حزبيل ، وقيل : حبيب ، والأول أولى ﴿ مُؤمنٌ مِن آل فرْعَون ﴾ من القبط ابن عم فرعون ، وكان يجرى مجرى ولى العهد ، ومجرى صاحب الشرطة ، وقيل : كان اسرائيليا ، وقيل : كان غريبا فيهم ، لا اسرائيليا ولا قبطيا ، فمعنى كونه من آل فرعون على القولين أنه فيهم بالتقية مظهرا أنه على دينهم ، ومن يتعلق على القولين بقوله تعالى : ﴿ يكْتُم إيمانهُ ﴾ بخلافه على الأول ، فانه يتعلق بمحذوف نعت ثان لرجل ، ويجوز تعليقه بيكتم ، ولو على الأول واعترض تعليقه بيكتم بأن كتم يتعدى بنفسه نحو قوله تعالى : ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ وأجيب بأن فى المصباح أنه يتعدى لاثنين ، وأنه تجوز زيادة من فى المفعول الأول ، لكن فيه فرعان : التقدم والتعدى بمن ، وهو قليل ، أو تأويل من بعن لتضمن يكتم معنى يستر ، وظاهر قوله : ﴿ يا قوم ﴾ أنه منهم ، ويحتمل أنه منهم ، ويحتمل أنه سماهم قومه لأنه فيهم .

﴿ أتقْتلون رجُلاً ﴾ الاستفهام انكار لصوابية قتله ، والمراد أتقتلونه فى المستقبل ، أو أتقصدون قتله ، وعليه فقد عبر عن السبب بالمسبب ﴿ أنْ يقُول ﴾ لأن يقول ، أو كراهة أن يقول : لا ، منصوب على الظرفية فى تأويل المصدر ، أى أتقتلون رجلا وقت أن يقول بلا تكفر فى قوله : لأنه ينوب عن الزمان المصدر الصريح ، أو المأول عن دام ، وليس كما ادعى بعض أن كل امام أجازه ، بل أجازه قليل كابن جنى ﴿ ربِّى الله وقَدْ جاءكم بالبيَِّنات ﴾ الشاهدة له ، الكثيرة ، وجمع المؤنث السالم ولو كان فى جموع القلة ، لكن يجوز استعماله فى الكثيرة ، وجمع المؤنث السالم ولو فيه أل ، فانه لا اشكال ، وقد يقال انه حين قال الرجل : رضى الله عنه هذا ، لم يجئهم موسى الا بقليل ، والجملة حال من واو تقتلون ، لا من رجلا ، لأن الاستفهام لم يدخل عليه ، بل على تقتلون ، وأجاز بعض ذلك .

﴿ مِنْ ربِّكم ﴾ ممن هو ربكم كما هو ربه ، وهذا استدراج الى الاعتراف لله تعالى بالربوبية ، وتلويح بأنه من قال : ربى الله لا يقابل بالقتل ، كما فى معتاد كم أن من قال ربنا فرعون لا يقابل بالقتل ، ولا سيما أنه جعل ربَّه من هو ربكم ، فعليكم أن تكرموه لا أن تقتلوه ، واستعمل الرجل تقية على نفسه ما ذكر الله عز وجل عنه بقوله : ﴿ وإنْ يكَ كَاذباً فعَليْه كِذْبُه ﴾ الى قوله : ﴿ ان جاءنا ﴾ وهو آخر كلامه رضى الله عنه ، ومعنى عليه كذبه أنه لا يتخطاه وبال كذبه من الله تعالى فضلا عن أن يحتاج فى دفعه الى قتله .

﴿ وإنْ يَكُ صَادقاً يُصبكُم بعْض الَّذى يَعِدُكم ﴾ ولا بد ان لم يصبكم كله ، وقدم الكذب تليينا لشدتهم ، والرابط محذوف أى يعدكموه ، أو يعدكم به ، وقيل : البعض هو ما يجىء فى الدنيا على تكذيبه كله ، والبعض الآخر ما فى الآخرة ، وليس بعض بمعنى كل كما قيل ، واستدل له قوله :

قد يدرك المتأنى بعض حاجته … وقد يكون مع المستحيل الزلل

وقوله :

إن الأمور إذا الأحداث دبرها … دون الشيوخ ترى فىبعضها خللا

وقوله :

تراك أمكنة إذا لم أرضها … أو يرتبط بعض النفوس حمامها

قلت : البعض فى الأبيات على ظاهره لا بمعنى الكل ، ومراده ببعض النفوس نفسه أو جنس البعض ﴿ إنَّ الله لا يَهْدى مَنْ هُو مُسرفٌ كذابٌ ﴾ فان كان موسى كاذبا فقد أسرفت فى شأنه وكذبه كثيرا أو عظيم ، فهو كذاب فان الله يكفيكم مؤنته ، فهو يتولى اهلاكه ، أو ان كان مسرفا كذابا لم يقوه بالبينات ، ولما قواه بها وجب أن تتفكروا وتدركوا الحق ، ولعله أراد هذا الوجه وأوهمهم أنه أراد الأول ، تليينا لشدتهم ، ولوح بذكر ذلك الى أن فرعون مسرف فى القتل والفساد ، كذاب فى ادعاء الألوهية ، ليس على هدى من الله سبحانه وتعالى .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٦١