سورة غافر · الآية ٦٠ من ٨٥

‹ السورة السابقة
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِی سَیَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ٦٠
الرسم الإملائيّ

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

الجزء ٢٤الربع ١٨٩ صفحة ٤٧٤

تفسيرها

[سورة غافر — آية 60]

}وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي ﴿ اعبدوني ﴾أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴿ أثبكم ، لقوله: ﴾إِنَّ الَّذِينَ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60){ صاغرين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٩٣

[سورة غافر — آية 60]

قوله : ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ كقوله : ﴿ فَادْعُواْ الله مُخلِصِينَ لَهُ الدِّين ﴾ [ غافر : 14 ] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [ أي : صاغرين ] .

ذكروا عن عائشة رضي الله عنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل العبادات ، « فقال دعاء المرء لنفسه . » ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المسلم من دعائه على إحدى ثلاث : إما أن يعطى مسألته ، وإما أن يعطى مثلها من الخير ، وإما أن يصرف عنه مثلها من الشر ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل . » [ قالوا : يا رسول الله ، إذاً نكثر ، قال : الله أكثر .

الحسن بن دينار عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك قال ] قالوا : يا يا رسول الله كيف يستعجل؟ قال : « يقول : قد دعوت الله فما أجابني ، ودعوته فما أعطاني . »

ذكروا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أبخل الناس من بخل بالسلام ، وإن أعجز الناس من عجز في الدعاء ، وقد قال عز وجل : ادعوني أستجب لكم . »

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٩٣

[سورة غافر — آية 60]

﴿ وقال ربُّكُم ﴾ العطف على ما قبله عطف قصة على أخرى ، ألا ترى نه لما تمت هذه فى قوله : ﴿ كن فيكون ﴾ ذكر ما قبلها بقوله : ﴿ ألم تر الى الذين يجادلون ﴾ المناسب لقوله تعالى : ﴿ إن الذين يجادلون ﴾ الخ ﴿ ادْعُونى ﴾ اسألونى حوائجكم كلها عموما أو خصوصا ، ولو ما هو أقل من ملح الطعام ، أو شسع النعل أذ لا شىء يستغنى فيه عن الله تعالى ، وعن ابن عباس : « الدعاء أفضل العبادة » وقرأ الآية ، وعنه صلى الله عليه وسلم : ليس شىء أكرم على الله تعالى من الدعاء « قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : » من لم يَدْع الله يغضب عليه « رواه ابن أبى شيبة وأحمد ، قال ذلك فى مقام الكلام على الدعاء ، فلا يأول بالعبادة .

وقال النعمان ابن بشير : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : » الدعاء هو العبادة « ثم قرأ : ﴿ وقال ربكم ادعونى أستجب لكم أن الذين يستكبرون عن عبادتى ﴾ الآية ، وعن ابن عباس : » ادعونى أستجب لكم « وحدونى أغفر لكم ، وقيل : سلونى أعطكم ، ومعنى يغضب عليه هنا تصبه المصائب ، وأما من لم يدع الله استكبارا عنه ، أو إياسا من الاجابة ، فالغضب فى حقه على ظاهره ، وأما قول ابراهيم عليه السلام ، يوم ألقى فى النار قبل الالقاء أو فى الهواء حسن ألقى : » علمه بحالى يغنى عن سؤالى « وقد قال له جبريل : » هل لك حاجة؟ « فقال : » احتاج الى الله « فقال : فادع الله ، فقال ذلك ، فهو نفس الدعاء ، لأنه قال ذلك تضرعا الى الله تعالى ، لا توكلا فقط ، أو ذلك فى العامة ، وأما من أكثر العبادة والذكر ، وأستفرغ فيها الوسع ، فقد جاء فى الحديث القدسى : » إنى أعطيه أفضل ما يسأل وأكفيه « .

﴿ أسْتَجب لَكُم ﴾ أعطكم ما تسألون ، قال الله تعالى : ﴿ فيكشف ما تدعون اليه إن شاء ﴾ وان لم يعط ادخر له فى الآخرة لدعائه ما هو أفضل ، حتى يتمنى لو لم يستجب له فى الدنيا ، والتعويض فى الآخرة ، من معنى الاستجابة ، وقد يعطيه فى الدنيا عوض ما دعا اليه ، أو يدفع عنه مضرة ، وما لم يستجب فخلل فيه ، فلاشتغال القلب فيه أو فيه قطع رحم أو نحو ذلك ، وعنه صلى الله عليه وسلم : » ما من رجل يدعو الله تعالى الا استجيب له ، فأما أن يعجل له فى الدنيا ، وام أن يؤخر له فى الآخرة واما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا لم يدع باثم أو قطع رحم أو يقل دعوت فلم يستجب لى «

وقيل : عن ابن عباس : ادعونى اعبدونى ، فاستجب لكم أثبكم ، وفيه أن الدعاء أصله الطلب ، فليحمل ، عليه فى الآية ، ولاسيما مع قوله : ﴿ أستجب لكم ﴾ فان الاستجابة أنسب بمعنى الطلب ، فهذان خروجان عن الأصل اثنان .

ونقول : معنى حديث بشير بن النعمان المذكور آنفا أن الدعاء سؤال وأن السؤال عبادة ، ولما جعل الله الجدال فى آيات الله كبرا قابله بالدعاء لأنه خضوع ، لأن الداعى ملتجىء الى الله تعالى .

﴿ إنَّ الَّذين يسْتَكبِرُون عَن عِبادَتى ﴾ عن دعائى ، قيل : هذا خروج واحد عن الأصل ، قلت : بل الدعاء عبادة ، فلا مجاز فلا خروج بخلاف تفسير الاستجابة بالاثابة على العبادة لترتبها عليها فانه مجاز أو مشاكلة ، وتفسير الدعاء بالعبادة لتضمنها له مجاز من تسمية المحل باسم الحال ، أو من تسمية العام باسم الخاص ﴿ سيَدْخُلون جَهنَّم داخرين ﴾ أذلاء .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬١٩٣