وَجَعَلَ فِیهَا رَوَٰسِیَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَاۤ أَقۡوَٰتَهَا فِیۤ أَرۡبَعَةِ أَیَّامࣲ سَوَاۤءࣰ لِّلسَّاۤئِلِینَ١٠
الرسم الإملائيّ
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ
الجزء ٢٤الربع ١٩١ صفحة ٤٧٧
تفسيرها
}قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)﴿خالق جميع ما وجد من الممكنات. ﴾وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴿ مرتفعة عليها، ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار، وتكون منافعها معرضة للطلاب، ﴾وَبَارَكَ فِيهَا﴿ وأكثر خيرها، بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوان، ﴾وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴿ أقوات أهلها، بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به، لجميع ما يحتاج إلى الغذاء؛ قيل: قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم، ﴾فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴿ أي: استوت سواء، بمعنى: استواء ﴾لِلسَّائِلِينَ (10){ (لعله) من سأل عنه، عن مدة خلق الأرض وما فيها، أو قدر فيها الأقوات للطالبين.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٨
قال : ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا ﴾ يعني فوق الأرض . والرواسي الجبال أرساها حتى لا تتحرك بكم ، وجعل فيها أنهارها وأشجارها .
ذكروا عن الحسن قال : لما خلق الله الأرض جعلت تميد [ فأرساها بالجبال ] .
قال : ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ فأما قوله : ﴿ وَبَارَكَ فِيهَا ﴾ فهو من باب البركة ، يعني ما جعل فيها من الأرزاق والأقوات ، أرزاق من فيها . والقوت الرزق . وقال مجاهد : الأقوات من المطر . وقال بعضهم : أقواتها : ما يحمل من هذا البلد إلى هذا البلد ، ومن هذا إلى هذا . ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ : أي في تتمة أربعة أيام . ﴿ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ﴾ أي : لمن كان سائلاً عن ذلك . وقال بعضهم : لمن يسأل الرزق وهي تقرأ على وجه آخر : ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٍ لِّلسَّائِلِينَ ﴾ أي : مستويات ، يعني الأيام . واليوم منها ألف سنة ، كقوله : ﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ الحج : 47 ] . أي : خلق الأرض في يومين ، وقدر الأقوات في يومين ، ثم جمع الأربعة الأيام فقال : ﴿ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٨
﴿ وَجَعل ﴾ قيل العطف علىخلق ، وفيه الفصل بجملتين مشوشا للذهن ، مورثا لصعوبة فهم معنى الأصل ، ولو كان قوله : ﴿ وتجعلون ﴾ الخ بمنزلة لتكفرون بالذى خلق الخ فهما كواحدة ، وقوله : ﴿ ذلك رب العالمين ﴾ مؤكد لمضمون الكلام ، كما رأيت فى تفسيره آنفا ، والأقرب العطف على محذوف أى خلقها وجعل ﴿ فيها رَواسِىَ ﴾ جبالا راسية أى ثابتة ﴿ مِنْ فَوقها ﴾ متعلق بجعل ، أو نعت لرواسى ، أو لمنعوته ، وانما صح النعت على طريق قولك : ان الرواسى الثابتة من فوقها ، هو جعلها وفائدته قوله : « من فوقها » أنها فوقها لا تحتها ، كالعمد لها ، ولا مغرورة فيها كالمسامير ، ليتوصل بارتفاعها الى مصالح واعتبارات ، وغرز بعض أسفلها لا ينافى أنها من فوقها لقتله ، فانها أنزلت الجبال تعد خلق الأرض ، وغرز قليل من أسفلها أو دفن .
﴿ وباركَ فيهَا ﴾ كثر خيرها بالانبات ، وخلق المعادن والجواهر والحيوان ، ومنه الانسان ﴿ وقَدَّر فيها أقْواتها ﴾ جعل الأقوات مقادير مخصوصة ، وأضافها لضمير الأرض ، لأنها فى الأرض أويقدر مضاف ، أى أقوات أهلها ، وقيل الأقوات الأمطار والمياه ، فانها قوت للأرض تشربها ، فتلد الثمار النافعة ، وما ينتفع به مما تأكيل الدواب والخشب والحطب ، وعن عكرمة أنها ما خص به كل اقليم من الملابس والمطاعم والمشارب والبنات ، مما تعمر به الأرض ، كما قرىء : ﴿ وقسم فيها أقواتها ﴾ وقيل : خلق فى كل بلدة ما لم يجعل فى الأخرى لنتفعوا بالتجر ، وقيل : قدر البر لأهل أرض ، والتمر لأهل أرض ، والذرة لأهل أرض ، والسمك لأهل أرض .
﴿ فى أرْبعةِ أيَّامٍ ﴾ متعلق بقدر على مذهب أبى حنيفة فى القيدين متعاطفين ، أو متعاطفات أنه يعتود الى الاخير ، والذى يظهر أنه للكل ، لأن عاملها واحد حتى يدل دليل على تخصيص ، ويجعل ذلك من باب الحذف ، أو من التنازع ، واذا لم يصلح العامل لكل على حدة قدر ما يعم ، مثل أن يقدر هنا حصل مجموع ذلك فى أربعة أيام ، ثم رأيته قولا للشافعى ، قال الله تعالى : ﴿ خلق الأرض فى يومين ﴾ ثم قال : ﴿ وقدر فيها أقواتها فى أربعة أيام ﴾ ثم قال : ﴿ وقضاهن سبع سموات فى يومين ﴾ وخالف ظاهر ذلك قوله تعالى فى آية أخرى : ﴿ فى ستة أيام ﴾ الجواب قيل : ان المراد فى تتمة أربعة أيام ، وتتمتها يومان ، وإلا كانت الأيام ثمانية ، وانما هى ستة بزيادة يومين على أربعة ، ومثل لذلك بقولك : سرت من البصرة الى بغداد فى عشرة أيام والى الكوفة فى خسمة عشر ، تريد تتمة عشرة كذا قيل ، وهو تخليط ، وانما الجواب ما يجىء بعد ان شاء الله تعالى .
وعبارة بعض فى أربعة ايام مع اليومين الأولين المذكورين قبل ، ففى المثال خمسة عشر بعد العشرة المذكورة .
﴿ سواء للسَّائلين ﴾ مفعول مطلق لمحذوف نعت لأربعة ، أى مستوية للسائلين ، سواء أى استواء ، ويدل له قراءة يعقوب بجر سواء على أنه نعت لأربعة ، وفائدة سواء دفع الزيادة والنقص ، لأنه قد يذكر العدد ، والمراد دونه كقوله تعالى : ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ فانهن : شوال وذو القعدة تسعة أيام من ذى الحجة ، قيل : وليلة النحر ، والبسط فى الفقه ، تقول فعلته فى يومين ، وتريد أنه لم يستقل به يوم واحد ، بل أخذ من الآخر نصفا ، أو أقل أو أكثر ، فكأنه قيل : فى أربعة أيام كاملة ، وللسائلين متعلق بنعت محذوف جوازا ، اى سواء مهيأة للسائلين ، أى مستوية مهيأة للسائلين ، أى المحتاجين ، أو خبر لمحذوف ، أى ذلك للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها ، أو متعلق بقدر بمعنى الطالبين للأقوات ، أو حال من الأقوات ، معنى الطالبين ، والمتبادر الثانى .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٨