سورة فصلت · الآية ١١ من ٥٤

‹ السورة السابقة
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ وَهِیَ دُخَانࣱ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِیَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهࣰا قَالَتَاۤ أَتَیۡنَا طَاۤئِعِینَ١١
الرسم الإملائيّ

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ

الجزء ٢٤الربع ١٩١ صفحة ٤٧٧

تفسيرها

[سورة فصلت — آية 11]

}ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا﴿ بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر، وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة، والكائنات المتنوعة؛ أو ائتيا في الوجود؛ على أن الخلق السابق بمعنى: التقدير؛ وقيل: » ائتيا« يعني: أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد، ﴾طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴿ شئتما ذلك أو أبيتما؛ والمراد: إظهار كمال قدرته، ووجوب وقوع مراده، لا إثبات الطوع والكره لهما؛ ﴾قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴿ منقادين بالذات؛ والأظهر أن المراد: تصوير تأثير قدرته فيهما، وتأثرهما بالذات عنها، تمثيلهما بأمر المطاع، وإجابة الطائع المطيع، كقوله: ﴾كن فيكون﴿، وما قيل: إنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب، إنما يتصور على الوجه الأول والأخير؛ وإنما قال: » طائعين« على المعنى باعتبار كونهما مخاطبين، كقوله: ﴾ساجدين{.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٩

[سورة فصلت — آية 11]

قال : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ بدء خلق الأرض إنما كانت طينة في موضع بيت المقدس قبل أن يبسطها الله ، ثم استوى إلى السماء [ يعني عمد لها وقصد ] وهي ملتزقة بالأرض في تفسير الحسن؛ وهو قوله : ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ أي ملتزقة ﴿ فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ [ الأنبياء : 30 ] أي : فتق إحداهما عن الأخرى ، فكان خلق الأرض قبل خلق السماء ، أي : بسطها ، فقال لهما : اذهبي أنت كذا واذهبي أنت كذا . ويقال : دُحِيت الأرض : أي بُسطت من مكة ، وقدّر فيها أقواتها .

قال مجاهد : كان البيت قبل الأرض بألفي عام ، ومدّت الأرض من تحته ، وقدر فيها أقواتها . وهو قوله : ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾ [ النازعات : 27-33 ] يعني أرزاقكم ، فخلق الأرض في يومين وأقواتها في يومين .

قال : ﴿ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ على وجه السخرة والقدرة . قال هذا لهما قبل خلقه إياهما ، وهو كلام فيه تقديم وتأخير . ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ يعني بما فيهما .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٩

[سورة فصلت — آية 11]

﴿ ثمَّ اسْتَوى إلى السَّماء ﴾ أى توجه ارادته الى السماء ، وانتهت اليه بالتدبير ، يقال : استوى زيد الى كذا بمعنى أنه قصده ، ولا يشتغل بغيره ﴿ وهِىَ دُخانٌ ﴾ شىء مظلم ، وهو قيل : مادة من أجزاء فرده تركب السماء منها ، ولست أقول بالجواهر المفردة من حيث شرعت فى فن الكلام ، ثم رأيت والحمد لله تعالى بعض المحققين من الحنفية قال كما قلت ، ويقال : كان عرشه على الماء ، فأحدث الله فيه سخونة ، فارتفع زبد ودخان ، فخلق الله السموات من الدخان ، وقيل : خلق الله ياقوتة خضراء ، فذابت لجلال الله بأمره تعالى ، فكانت ماء فأزبد فارتفع منه دخان ، فخلق منه السموات ، وله أن يخلق ما شاء مما شاء ، وسخلق ما شاء من غير شىء ، وليس الدخان دخان نار ، لأن النار لما تخلق حينئذ وهب أنها خلقت لكن ليس ذلك دخانها .

وظاهر الآية أن الأرض قبل السماء ، وقد قال : ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ وهو يدل على تأخيرها ، والجواب : أن خلق جرم الأرض متقدم على المعنى قضى أن يحدث الأرض فى يومين بعد احداث السماء .

﴿ فقال لها وللأرض ائتيا ﴾ بما أودعت فيكما من المنافع وأحضراه ، والأمر للتسخير ، وليس المعنى أحدثا ، فانه قد ذكر حدوثهما قبل إلا أن يقال الفاء للترتيب الذكرى ، فيكون الأمر للتكوين ، أو قضاهن سبع سموات ، معطوف على استوى الى السماء فى نية الاتصال ، وقال لها وللأرض الخ فى نية التأخير عن قضاهن الخ ، والمراد اتيانهما بما فيهما ، وذكر الاستواء للسماء ولم يذكره للأرض اكتفاء بأنه قدرها ، وقدر ما فيها ، وقيل : اتيان السماء حدوثها ، واتيان الأرض دحوها ، تشبيها للخروج من العدم ، ودحوا الأرض بالتيان من مكان ، وقيل : لتأت كل منهما الأخرى فيما أريد منهما أمرا بالمواتاة بمعنى الموافقة ، فذلك مفاعلة لقراءة ابن عباس آبيا ، وقالتا آتينا بالمد من الايتاء بمعنى الموافقة ، وليس بلازم لجواز أن الايتاء فى قراءة ابن عباس المسارعة ، كما فسرها ابن جنى ، أو بمعنى اعطاء أى أعطيا ما أردت منكما .

﴿ طَوْعاً أو كَرْها ﴾ تمثيل لتأثير القدرة بلا مانع ، لأنهما لا عقل لهما ترضيان به أو تكرهان ، وأن فرضناه فما هو معتبر ، والنصب على المفعولية المطلقة على حذف مضاف ، أى اتيان طوع أو كره ، أو على الحالية بالتأويل بالوصف ، أى طائعتين أو كارهتين ، أو بتقدير مضاف ، أى مصاحبتى طوع أو كره ، وهكذا اترك أنت ونحن تقدير ذى بمعنى صاحب فى مقام التأويل بالوصف ، ونقدر لفظ مصاحب مكان تقدير ذى لأن ذا ليست وصفا ، بل تأول بالوصف ﴿ قَالتَا أتيْنا طَائعينَ ﴾ الجمع لأن الاثنين جمع مجازا ، أو لأن الأرض أرضون ، والسماء فى ضمن سموات ، وكونه بصيغة العقلاء لخطابهن خطاب العقلاء ، وجواتهن جوابهم اذ وصفتا بالقول ، أو لأن لهن عقلا خلقه الله تعالى لهن حينئذ ، والأصل أتينا طائعات ، واختير التذكير لما ذكر ، فانه يعتبر التأنيث فى مقامه ، ولو كان بحسب اللفظ ، كما لو كان بحسب المعنى ، تقول : قالت الهندان : نحن قائمتان ، وقالت الهنود : نحن قائمات أو قوائم ، وقولهما تمثيل للتأثر بالقدرة التامة من الله عز وجل ، أو حقيقة بأن خلق الله لهما عقلا ففهمتا ونطقتا ، وبه أقول ، لأنه ظاهر الكلام بلا مانع ، وفيه اظهار قدرته تعالى بانطاق الجماد ، فيقابل ما فى الأرض من البلاغة ، وقد زعم أن للجمادات عقولا مستمرة وهو خطأ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٢٩