سورة فصلت · الآية ١٤ من ٥٤

‹ السورة السابقة
إِذۡ جَاۤءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰۤئِكَةࣰ فَإِنَّا بِمَاۤ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ١٤
الرسم الإملائيّ

إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

الجزء ٢٤الربع ١٩١ صفحة ٤٧٨

تفسيرها

[سورة فصلت — آية 14]

}فَإِنْ أَعْرَضُوا﴿ عن الإيمان بعد هذا البيان، ﴾فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)﴿ وهو أخذ كل نفس واستئصالها على حدة بما كسبت. ﴾إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴿ من جميع جوانبهم، واجتهدوا بهم من كل جهة، أو من جهة الزمن الماضي بإنذار عما جرى فيه على الكفار؛ ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة، ﴾أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴿ وترفضوا عبادة الشيطان والهوى والنفس. ﴾قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴿ برسالته، ﴾فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴿ على زعمكم، ﴾كَافِرُونَ (14){ إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٣٢

[سورة فصلت — آية 14]

قال : ﴿ فَقَضَاهُنَّ ﴾ يعني خلقهن ﴿ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا ﴾ [ قال مجاهد : يعني أمره ] الذي جعل فيها مما أراد .

قال : ﴿ وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ يعني النجوم ﴿ وَحِفْظًا ﴾ أي : وجعلنا النجوم حفظاً للسماء من الشياطين ، أي : لا يسمعون الوحي . وذلك منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم : قال : ﴿ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ .

ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال : كنا قبل أن يبعث محمد ما نَرَى نجماً يُرمى به . فبينما نحن ذات ليلة إذ النجوم قد رُمي بها . فقلنا : ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث . فجاءنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث . وأنزل الله هذه الآية في سورة الجن : ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا ﴾ [ الجن : 9 ] . قوله : ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا ﴾ أي : المشركون ﴿ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ . والصاعقة العذاب؛ جاءتهم بفزع فماتوا . ذكروا عن عطاء بن السايب أنه قال : سمعت أبا عبد الرحمان السلمي وإبراهيم يقرآن هذا الحرف : ﴿ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةَ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ يعني فَزْعة مثل فزعة عاد وثمود . ﴿ إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ الله ﴾ يحذرونهم وقائع الله في الكفار حين كذبوا رسلهم . ويعني ب ﴿ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ﴾ قوم نوح ومن أهلك بعدهم ، و ب ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ عذاب الآخرة ، أي أنذروهم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

﴿ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً ﴾ كقولهم للنبي عليه السلام : ﴿ أَوْ جَآءَ مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ [ الزخرف : 53 ] أي : فيخبرون أنه رسول الله . ومثل قوله : ﴿ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [ الحجر : 7 ] أي : فتخبرنا أنك رسول الله؛ أي : يقوله كل قوم لرسولهم . ﴿ فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٣٢

[سورة فصلت — آية 14]

﴿ إذ جاءتهُم الرسل ﴾ متعلق بنعت محذوف أى صاعقة عاد وثمود الواقعة ، إذ جاءتهم الرسل ، هم رسولان : هود وصالح ، عبر عنهما بالجمع لعظم شأنهما ، أو هما رسل كثيرة باعتبار كثرة أفراد القبلتين ، فكل واحد منهما رسول الى هذا ، ورسول الى هذا ، ورسول الى ذاك ، وهكذا مثل تنزيل تغاير الصفات ، بمنزلة تغاير الذوات ، أو الرسل هود وصالح ورسلهما ، أو هما ومن قبلهم ومن بعدهم ، لأن الدعوة واحدة ، لكن فيه الجمع بفى الحقيقة والمجاز ، لأن مجىء غيرهما مجاز ، وصاعقة معرفة لاضافته الى العلم ، وحذف الموصول الذى هو أل ، وصلته جائز .

﴿ مِن بَيْن أيْديهِم ومِن خَلفهم ﴾ عن جميع جهاتهم ، عبر عنهن بالجهتين ، كما يعبر عن اليوم بالبكرة والعشق ، ومعنى ذلك اجتهادهم فى الانذار ، أو جاءهم بالانذار عما أصاب من قبلهم من الكفار ، وما يصيب من بعدهم أو بالعكس ، إذ لهما علم بأ ، ه ستجىء رسُل تكذبهم أقوامهم ، فيهلكون أو أحدهما لما مضى ، والآخر للآخرة ، وينبغى أن يكون هو خلفهم هنا ، واستعير اسم المكان للزمان ، والمعنى جاءتهم الرسل المتقدموت والمتأخرون ، كان مجىء كلامهم مجىء أبدانهم ، والدعوة واحدة الا الاسلام ، وما لا تختلف فيه الشرائع ، كما قال قال الله عز وجل .

﴿ ألا تعْبُدوا إلا الله ﴾ أو من بين أيديهم ومن خلفهم كناية عن كثرة الرسل ، كقوله تعالى : ﴿ يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ﴾ وإن حرف تفسير لأن المجىء بالوحى فيه معنى القول دون حروفه ، على أن لا ناهية ، بل حاجة الى دعوى التخفيف ، واضمار اسمها ، ولا دليل عليه ، وذلك أنه لا خارج للنهى يكون منه المصدر ، ، ويجوز أن تكون ناصبة ولا نافية ، والمصدر مقدر بالباء متعلقة بجاءت ، أى بأن لا تعبدوا إلا الله ، أى بانتفاء عبادتكم غير الله ، أى بوجوب أن لا تعبدوا إلا الله ، فحذف المضاف ، وكأنه قيل : فماذا قالوا؟ فقال الله جل وعلا :

﴿ قالوا لو شاء ربنا ﴾ إرسال الرسل ﴿ إنزل ملائكة ﴾ أى لأنزلهم رسلا ، أو انزل بمعنى أرسل استعمالا للمطلق فى المقيد ، قيل : اختار الانزال لأن إرسالهم إنما يكون بطريق الانذار ، ويجوز تقدير مفعول المشيئة من جنس الجواب كما هو الكثير ، أى لو شاء ربنا إنزال الملائكة رسلا لأنزل ملائكة ، ولا مانع له وهم فى السماء ، وأقوى ، ولما لم ينزلهم علمنا أنكم لستم رسلا منه ، إذا لا يترك الأقوى القريب فى محل الوحى ، ويرسل الضعيف البعيد ﴿ فإنَّا بما أرسلتُم به كافرون ﴾ لأنكم مثلنا بشر مثلنا لا مزية لكم علينا ، لكن لم ينزلهم فانا كافرون بالأمر الذى أرسلتم به على زعمكم ، أو أثبتوا ارسالهم ارسالهم تهكما أو يقدر اذا لم ينزلهم فانا الخ ويضعف عود الهاء الى النهى عن العبادة لغيره ، أو الى انتفاء صحتها ، فتكون ما مصدرية .

لما أسلم عمر وحمزة والعباس وغيرهم ، وخاف الكفرة انتشار الاسلام قال أبو جهل ، وعتبة بن ربيعة ومن معهما الملأ : التمسوا رجلا يعلم السحر والكهانة والشعر ، يكلم محمدا فقد التبس علينا أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : أنا أعرف ذلك ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد أأنت خير من هاشم وعبد المطلب؟ لِمَ تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا ، إن أحببت الرياسة عقدنا لك ألويتنا ، أو المال جمعنا لك ما يغنيك وعقبك ، أو التزوج زوجناك عشرا من قريش تختارهن؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ الى ﴿ مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فأمسك فاه وأنشده بالرحم أن يسكت ، وقرأ حتى بلغ السجدة ، فخرج ولزم بيته ، فقال أبو جهل : ما أراه إ قد صبأ الى محمد ، وأعجبه طعامه لحاجة أصابته ، فذهبوا اليه فقال : يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت الى محمد ، وأعجبك أمره؟ فان احتجت جمعنا لك ما يغنيك عن محمد ، وإنما أراد اغضابه ليوسع فى الكلام بما عنده .

فغضب فقال : والله لقد علمتم أى أكثر قريش مالا ، والله لا أكلم محمداً أبدا ، ولكن تكلم بكلام ما هو شعر ولا شحر ولا كهانة ، ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ الى أن قال : ﴿ صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ فأمسكت على فيه ، وناشدته الرحم أن يكف خوفا منى عليكم أن تهلكوا ، وقد علمتم أنه إذا قال شيئا وقع ، قال ربيعة : والله ليكونن لقوله نبأ ، دعوه فان تصبه العرب كفركم ، وإلا فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وأنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك يا أبا الوليد بلسانه ، فقال : هذا رأيى لكم ، فاصنعوا ما بدالكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٣٢