سورة فصلت · الآية ٣٣ من ٥٤

‹ السورة السابقة
وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلࣰا مِّمَّن دَعَاۤ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحࣰا وَقَالَ إِنَّنِی مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ٣٣
الرسم الإملائيّ

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

الجزء ٢٤الربع ١٩٢ صفحة ٤٨٠

تفسيرها

[سورة فصلت — آية 33]

(لعله) وعن أبي سعيد: »في تأويل قوله: }وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴿ قيل: هو المؤذن بالدعاء إلى الفرائض، ﴾وَعَمِلَ صَالِحًا﴿ قيل: صلى ركعتين قبل الصلاة، ﴾وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)﴿ فذلك واجب على كل أحد ان يدين لله بالإسلام، وأن يقر به، ويعتقده دينا له، ويبرأ من كل دين مما سواه؛ ومثل ذلك ونظيره قوله: ﴾ومن أحسن دينا مِمَّن أَسلَمَ وجهَه لله وَهُوَ محسِنٌ﴿ ؛ والوجه هاهنا قالوا: الدين، ﴾وهو محسن﴿ : في عمله اللزم له في الدين؛ ﴾واتَّبَع مِلَّة إبراهيم حنيفا﴿ وهو الإسلام، ونظائر هذا كثير في كتاب الله، منه ما قاله الله تبارك وتعالى: ﴾ومن يبتغِ غيرَ الإسلامِ ديناً فلن يُقبلَ مِنْهُ وَهُوَ فيِ الآخِرَة مِنَ الخاسرين﴿. والإجماع في معنى "الإسلام" أنه: الإقرار بالله والإيمان به، والتصديق برسوله المرسل إلى أهل زمانه، وبما جاء به رسوله عنه إلى كل أمة من الأمم، فهذا هو الدين والإسلام المفروض الذي لم يختلف فيه الشرائع، وكان أصلا للشرائع كلها؛ وكذلك هو الدين الإسلام ] المفروض[ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ]وهو[ الإيمان بالله تعالى ربا إلها واحدا، وبمحمد نبيا ورسولا، وبما جاء به أنه حق وصدق وعدل؛ وقيل: ﴾ومن أحسن قولا مِمَّن دعا إلِىَ الله﴿ فهو الدعاء إلى الله دينه، وعمل بما يدعو من طاعة الله التي دعا إليها، وعمل بها من رسول أو نبي أو صالح، ﴾وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ{ أي: كان مسلما؛ وليس قوله: إنه مسلم، إذا خالف شيئاً من الإسلام بنافع له، ولا يجوز له أن يكون عند نفسه في قوله وعمله ونيته الإ مسلماً لله تعالى، ويتوب إلى الله في اعتقاده من جميع ما خالف الإسلام الذي دان لله به، واعتقده من قول وعمل ونية، في جملة قوله وعمله ونيته، وينبغي أن يجدد ذلك كلما خطر بباله هذا، أنه قد عصى الله بما جهله بقول وعمل ونية، ولا يعذر بجهله، وبموت بمعصيته، فيكون هالكا، وإذا جدد التوبة، ولم يقف على الذنب، وتذكره أجزأه ذلك في الجملة ما لم يكن متمسكا بالذنب، إن لو ذكره لم يكن تائبا منه، وكان على اعتقاده دينونة فيه؛ ومن ها هنا أعجبني أن لا يعتقد من الأمور دينا على كل حال الإ ما لا يشك فيه، وما لم يأت فيه اختلاف يكون فيه ريب، لأنه إذا اعتقد في الجملة لله الدينونة بدينه، كان قد دان بدينه كله، واعتقاده دينا مما ليس بدين هلكة لا يرجى له منها توبة، وكلما تقرب إلى الله بها ازداد بعدا منه، وكلما خاف لقاءه بالموت كان أشد تمسكا بها، حتى يلقاه على التقرب إلى الله بمعصيته، ولا يعذره الله في ذلك بجهالته، لأنه قد كان يمكنه ويسعه أن لا يعتقده دينا بعينه، إذا اعتقد الدين في الجملة؛ وعليه كلما خطر بباله، أن يعتقد أنه ليس من المشركين في الدين، وأنه بريء من المشركين، ومن دينهم، وكل شرك في الدين بجحود أو نفاق« انتهى كلامه.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥١

[سورة فصلت — آية 33]

قوله : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ . وهذا على الاستفهام ، أي : لا أحد أحسن قولاً منه .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥١

[سورة فصلت — آية 33]

﴿ ومَنْ أحْسنُ قولاً ﴾ استفهام انكار أى لا أحسن قولا ﴿ ممَّن دَعا ﴾ بلسانه أو كتابه أو نحو ذلك ﴿ إلى الله ﴾ الى دينه من التوحيد والعبادة ، كرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين ، وهكذا والمؤذنين والمقيمن عند ارادة الصلاة ، ولا يعترض بأن الأذان فى المدينة ، والسورة مكية ، لأن معنى الآية ممن دعا فى أى زمان فى أى مكان ، ولا نحتاج الى التأويل بتأخير الحكم عن النزول ألا ترى أن الآية شملت ما نحن الآن عليه ، لأنه تعالى لم يخص الدعاء الى الله بشىء مخصوص ، فيعترض بأنه لم يوجد حين النزول ، وقيل : الدعاء الى الله شامل للقتال فى سبيل الله عز وجل ، ولاخراج الحقوق بالضرب أو بالحبس ونحو ذلك ، ولو باظهار طاعة ليقتدى بها ، وكل دعاء الى الله داخل فى العبادة بالقول أو بالفعل ، كالجهاد والحدود ، أو بالقلب كالدعاء فيه بالهداية ، أو بالايمان ، ودعوة الأنبياء بالدلائل والمعجزات والسيف ، ودعوة العلماء بالحجة ، وهم علماء بالله وعلماء بصفاته ، وعلماء بأحكامه ، ودعوة المجاهدين بالسيف ، ودعوة المؤذنين دعاء الى الصلاة والعبادة .

﴿ وعَمِل صالحا ﴾ عملا صالحا من أداء الفرائض ، أو مع النفل كالصلاة بين الأذان والاقامة ، وترك المعاصى اذا دعت النفس أو غيرها اليها ، وهو داخل فى أداء الفرائض ، وذلك على العموم عمل القلب والجراحة واللسان ، وقيل : ركعتان بني الأذان والاقامة ، ولا يتبادر هذا المخصوص ، ولعله تمثيل ، وفى الصحيحين ، عنه صلى الله عليه وسلم : « بين كل أذانين صلاة » قاله ثلاثا ، وقال ذلك لمن شاء ، يعنى ليس فرضا ، وروى أبو داود والترمذى ، عن أنس : « الدعاء بين الأذان والاقامة لا يرد » والمراد بالأذانين فى الحديث : الأذان والاقامة ﴿ وقال إنِّى مِن المسْلِمين ﴾ يقوله بلسانه فرحا به ، وافتخارا على المشركين ، وشهرة له ، أو ذلك قول اعتقاد ، يقال هذا قول فلان ، أى معتقده ومذهبه ، والآية تشير الى أن الداعى الى أمر من أمور الدين يكون عاملا به ، ليكون أقرب الى القبول عنه ، وكون الانسان فاعلا لمعصية لا يسقط عنه فرض النهى عنها ، وكونه تاركا للفرض لا يسقط عنه فرض الأمر به .

ودلت الآية على أنه يجوز أن يقول الانسان : أنا مسلم أو مؤمن ، أو من المسلمين أو من المؤمنين بحسب ما رأى من نفسه فى الحال ، ولو لم يقل ان شاء الله ، وان أراد عند الله أو أنه سعيد فليقل أن شاء الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥١