سورة فصلت · الآية ٣٤ من ٥٤

‹ السورة السابقة
وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ٣٤
الرسم الإملائيّ

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ

الجزء ٢٤الربع ١٩٢ صفحة ٤٨٠

تفسيرها

[سورة فصلت — آية 34]

}وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴿ في الجزاء، وحسن العاقبة؛ ﴾ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴿ ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها، وهي الحسنة. أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة؛ ﴾فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)﴿ أي : إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق، مثل الولي الشقيق. ﴾وَمَا يُلَقَّاهَا﴿ وما يلقى هذه السجية، وهي: مقابلة الإساءة بالإحسان، ﴾إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴿ فإنها تحبس النفس عن الانتقام؛ ﴾وَمَا يُلَقَّاهَا﴿ أي : وما يلقى هذه الخصلة الجميلة، ﴾إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35){ من الخير، وكمال النفس.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥٢

[سورة فصلت — آية 34]

قوله : ﴿ وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ﴾ الحسنة في هذا الموضع العفو والصفح ، والسيئة ما يكون بين الناس من الشتم والبغضاء والعدواة .

قوله : ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ يقول : ادفع بالعفو والصفح القول القبيح والأذى . كان ذلك فيما بينهم وبين المشركين قبل أن يؤمر بقتالهم . كقوله : ﴿ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله ﴾ [ الجاثية : 14 ] يعني المشركين ، ثم نسخت ، فأمر بقتالهم ، فصارت بين المسلمين .

ذكر عن أبي الأحوص عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ، إن لي جاراً وإنه يسيء مجاورتي ، أفأفعل به كما يفعل بي . قال : « لا ، إن اليد العليا خير من اليد السفلى » .

ذكروا عن مجاهد في قوله : ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ ، يعني السلام ، يسلّم عليه إذا لقيه .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا لا تهاجروا ، فإن كنتم ولا بد فاعلين فلا تهاجروا فوق ثلاثة أيام؛ ألا وإن ماتا وهما متهاجران لم يجتمعا في الجنة . الأول أفضلهم الذي يبدأ بصاحبه » .

ذكروا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الأعمال ترفع كل يوم اثنين وخمسين ، فإذا مرّ بأعمال المتصارِمَين عزلت أعمالهما » .

ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إذا كان كل ليلة اثنين وخميس تاب الله على التائبين ، وترحم على المتراحمين وترك أصحاب الغلّ » .

قوله : ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ أي : كأنه ولي قريب .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥٢

[سورة فصلت — آية 34]

﴿ ولا تَسْتوى الحَسنَة ﴾ الخصلة من الطاعات ، كلا اله الا الله ، والصلاة والصوم ، والحج والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحب النبى صلى الله عليه وسلم ، وحب آله ﴿ ولا السِّيئة ﴾ كالشرك وترك الصلاة أو الصوم ، ونحو ذلك من الفرائض ، وبغض النبى صلى الله عليه وسلم ولله وهم كل برتقى كذا روى عن ابن عباس وعلى ، فيكون قوله تعال : ﴿ ادْفَع بالَّتى هى أحْسن فإذا الَّذى بينَك وبينَه عَداوةٌ كأنَّه ولىٌّ حَميمٌ ﴾ خارجا عن ذلك بالعنوان ، ومذكور للمشاكلة ، ولو دخل بالماصدق ، كما يقال الشىء بالشىء يذكر ، والأولى أن المراد بالسيئة ما تكره النفس وبالحسنة ما تسكن اليه ، أو ما يشمل ذلك ، والمعاصى والطاعات ، فالآية آمرة له صلى الله عليه وسلم ولغيره بالصبر على أذى المشركين ، مع التمسك بالدين ، وآمره بالحلم والمدارة ، ومقابلة الاساءة ، بالاحسان ، وذلك أدْعى للمشرك الى الاسلام ، وللعاصى الى التوبة ، بخلاف الانتقام والغلظة .

وذلك التفسير أنسب بقوله : ﴿ ادفع بالتى هى أحسن ﴾ الخ ، ولا صلى لتأكيد النفى ، كقوله تعالى : ﴿ ولا الظل ولا الحرور ﴾ والشىء لا يستوى وحده ، بل مع غيره ، الا ان أريد استواء بعضه ببعض ، ولو فسرنا الآية بأن الحسنات بعضها أفضل من بعض ، والسيئات كذلك بعضها أقبح من بعض ، على أن أل للجنس لكانت لا نافية لا صلة ، ومفعول ادفع محذوف أى ادفع السيئة بالتى هى أحسن ، كما صرح به فى آية أخرى ، وأحسن خارج عن التفصضيل أى بالفعلة التى هى حسنة ، ويمكن بقاؤه على التفضيل بأن تكون حسنتان أو حسنات بعضها أفضل من بعض ، فأمر بالدفع بالفضلى كالاحسان الى من أساء ، وترك الانتقام فيدفع بالاحسان ، والفاء فى جواب شرط محذوف ، أى اذا دفعت السيئة بالتى هى أحسن ، فاذا الدى الخ ، واذا للفجاءة ، اى فاجأك كون عدوك المشاق لك مثل وليك الشقيق فى مجرد أنه يترك ضرك ، لا فى أنه يحبك ، هذا هو الغالب ، وقد يكون مثله فى الحب زيادة على ترك الضر قال :

إن العداوة تستحيل محبة … بتدارك الهفوات بالحسنات

لا يصح فى الآية فى أبى سفيان بن حرب ، لأن السورة مكية ، وأبوسفيان أسلم قريبا من مكة عند سفره صلى الله عليه وسلم الى فتحها ، نعم حكمها يقبل الصدق عليه ، الا أنه قيل : مازال تصدر منه عفوة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٥٢