سورة الشورى · الآية ٢٧ من ٥٣

‹ السورة السابقة
وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن یُنَزِّلُ بِقَدَرࣲ مَّا یَشَاۤءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِیرُۢ بَصِیرࣱ٢٧
الرسم الإملائيّ

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ

الجزء ٢٥الربع ١٩٥ صفحة ٤٨٦

تفسيرها

[سورة الشورى — آية 27]

}وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴿يحتمل هذا لعباده المؤمنين، كم روي: » إن الله يزوي عن عبده المؤمن الدنيا، كما يزوي الوالد الشفيق عن ابنه المساوئ« ؛ ﴾ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴿ بالتكبر، أو أفسدوا فيها بعد منزلة بعد منزلة، (لعله) ومركبا بعد مركب؛ ﴾وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴿ بتقدير ﴾مَا يَشَاءُ﴿ (لعله) نظرا منه لعباده كما اقتضت مشيئته، ﴾إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27){ يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم، فيقدر لهم ما يناسب شأنهم.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٩٩

[سورة الشورى — آية 27]

قوله : ﴿ وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ . ذكروا أن علياً رضي الله عنه قال : إن هذا الرزق ينزل من السماء كقطر المطر إلى كل نفس بما كتب الله لها .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني لا أعلم شيئاً يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به . ولا أعلم شيئاً يباعدكم من الجنة ويقرّبكم من النار إلا وقد نهيتكم عنه . إن الروح الأمين نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ، ولا يمنعنّكم استبطاءُ شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن الله لا يُنال ما عنده بمعصيته .

ذكروا عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن هذا الرزق مقسوم فأجملوا في الطلب » .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٩٩

[سورة الشورى — آية 27]

﴿ ولَو بَسَط الله الرزق لعباده لَبغَوا فى الأرض ﴾ تكبروا فيها بطراً وظلموا ، فإن الغنى مبطرة مأشرة ، كما بغى قارون بماله ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أخوف ما أخاف على أمتى زهرة الدنيا وكثرتها » والبغى تجاوز الحد فى الشر لا فى الخير ﴿ ولَكن ينزِّل بقدرٍ ﴾ بتقدير ﴿ ما يَشاء ﴾ تنزيله بحكمته ﴿ إنَّه بعباده خَبيرٌ بصيرٌ ﴾ محيط بما علم الخلق ، وما جهلوا فيلزقهم متى شاء بما شاء ، ويعطى ويمنع كذلك ، ولو أغناهم كلهم لبغوا المعاصى فيما بينهم وبين الله ، وفيما بينهم مطلقا كما ترى مبسوطا عليه يقاتل مبسوطا عليه ظلما ، ولا سيما أنهم يتفاوتون فى قوة نفس وبدن وضعفهما ، وشدة اشتهاء للأمر وضعفه ، ولو كانوا كلهم فقراء لهلكوا ، ولا ينجوا من البغى ، ولكن البغى مع البسط هو الغالب .

ومن حكمته تعالى فى الدنيا ان أغنى بعضا فينفع الفقير ويخاف اجتماع الفقراء عليه بالضر ، فينقص بعض البغى أو كله ، وأفقر بعضا ليذعن بذلك للغنى ولا يقاومه ، وأما الفقير الكلى حتى لا يجد عند الآخر ما يلطبه ، فلا يتصور معه البغى ، وقيل العباد فى قوله تعالى : « لعباده » المؤمنون الموفون ، وفى قوله : « بعباده » هم أيضا من وضع الظاهر موضع المضمر ، على طريق الاعتناء ، والأصل أنه لهم ، وعدم البسط مصلحة لهم كما قال صلى الله عليه وسلم : « إذا أحب الله عبدا أحماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء » قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله عز وجل : من أهان لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة وانى لأغضب لأوليائى كما يغضب الليث الحرد وما تقرب إلىَّ عبدى المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدى المؤمن يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويداً ومؤيداً ، إن دعانى أجبته وإن سألنى أعطيته » .

وكما قال خباب بن الأرت : نظرنا الى أموال قريظة والنضير وقينقاع فتمنيناها فنزل : ﴿ ولو بسط الله ﴾ الآية ، وقال عمر بن حريث : طلب قوم من أهل الصفة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبسط الله تعالى لهم ، فنزلت الآية ، ولا يلزم من ذلك تفسير الآية بالمؤمنين ، بل هى على العموم كما هو الظاهر ، ولا دليل للخصوص وهم داخلون فى العموم ، وأما الرد على مدعى الخصوص بأن المؤمن الموفى لا يبطره الغنى ، لأنه يرى الدنيا بعين التحقير ، فلا يتم ، لأن الله تعالى بنى الأمور على ما يشاء ، فهو سبحانه بناهم على أن لا يبغوا ولا يبطروا بعدهم البسط ، وبنى بعضا على أن لا يبطر ولا يبغى مع البسط عليه ، لأن السعادة والشقاوة أسبابا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٢٩٩