لِتَسۡتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُوا۟ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَیۡتُمۡ عَلَیۡهِ وَتَقُولُوا۟ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِی سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِینَ١٣
الرسم الإملائيّ
لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
الجزء ٢٥الربع ١٩٦ صفحة ٤٩٠
تفسيرها
}وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴿ أصناف المخلوقات،﴾وَجَعَلَ لَكُمْ﴿(لعله) من أصنافها، ﴾مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴿ تذكونها بقلوبكم، معترفين بها، حامدين عليها،﴾وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴿ وينبغي أن يذكر نعمة الله في كل شيء أنعم به عليه، ويقول هكذا، ﴾وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)﴿ مطيقين؛ من أقرن الشيء: إذا أطاقه، وحقيقة "أقرنه": وجده قرينه وما يقرن به، لأن القوي لا يقرن بالضعيف، ﴾وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14){ أي: راجعون؛ واتصاله بذلك، لأن الركوب للنقل، والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، أو لأنه مخطر، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعد للقاء الله.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٣٨
قال : ﴿ وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا ﴾ تفسير الحسن : الشتاء والصيف ، والليل والنهار ، والسماء والأرض ، وكل اثنين منها زَوج . قال : ﴿ وَجَعَلَ لَكُم ﴾ أي : وخلق لكم ﴿ مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ﴾ أي : ظهور ما سخر لكم أن تركبوه ﴿ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ أي : مطيقين . ﴿ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ .
ذكروا عن الحسن أنه كان يقول : الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، وعلّمنا القرآن ، ومنّ علينا بمحمّد عليه السلام ، ويقول : ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ﴾ لولا أن الله سخّره لنا .
ذكروا عن ابن عمر « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ركب راحلته فكبر ثلاثاً ثم قال : ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ اللهمَّ إِني أسألك في سفري هذا البرّ والتقوى ، ومن العمل ما ترضى ، اللهم اصحبنا في سفرنا ، واخلفنا في أهلنا . اللهم هوّن علينا السفر ، واطْوِ لنا بُعْدَ الأرض . اللهم أنت الصاحب في السفر والحضر ، والخليفة في الأهل » .
ذكروا عن أبي هريرة « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول أحياناً إذا قرب راحلته ليركب ، وأحياناً إذا ركب راحلته : بسم الله ، اللهم ازو لنا الأرض وهوّن علينا السفر . اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل . اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والولد والمال » .
وقال بعضهم : قد بيّن الله لكم ما تقولون إذا ركبتم في البرّ ، وما تقولون إذا ركبتم في البحر . إذا ركبتم في البرّ قلتم : ﴿ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ﴾ ، وإذا ركبتم في البحر قلتم : ﴿ بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ هود : 41 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٣٨
﴿ لتَسْتوو ﴾ تستقروا ﴿ على ظهوره ﴾ اللام للتعليل ، ولا يجوز صرفها مع امكان بلا ضعف اللاى الصيرورة ، وليست لام الأمر ، لأن المقام للتعليل لا الأمر ، ولا يتبادر الأمر ، ولأنه يلزم عليه أمر المخاطب باللام فى ثلاثة مواضع : تستوو ، وتذكروا ، وتقولوا ، مع أنه قليل الورود ، ولغة رديئة لا جيدة ، كما قال الزجاج ، وشاذ فى القرآن مثل : فلتفرحوا بالتاء فى قراءة ، وورد فى الشعر كقوله :
لتقم أنت يا ابن خير قريش … وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « لتأخذوا مصافكم » فالتحقيق أن رواة الحديث قد لا يحسنون العربية ، فلا يحتج بهم ، ولو كانوا ثقاة فى المعنى ، فنقول : رووه بالمعنى ، ولو رجح الاحتجاج بهم الجمهور ، ألا ترى أنهم يقولون : مثنى مثنى ، ويقرنون خبر كاد ، ولا يكادون يتركون ذلك الى غير ذلك مما لا يقبل فى العربية ، وليس ذلك منهم شذوذا ، بل يكثرونه ، ويلتزمونه ، فعلمنا أن ذلك خلل منهم ، والهاء فى ظهوره عائدة الى ما باعتبار اللفظ ، والظهور ظهور الفلك ، وظهور الأنعام ، وهى المغلبة حتى نسب الظهور للفلك ، والجمع باعتبار معنى مَّا .
﴿ ثمَّ تّذكروا نعْمة ربِّكم اذا اسْتَويتُم عَليْه ﴾ أى على ما تركبون مراعاة للفظ ما اذا أفرد ، وذكر النعمة استحضار أن الله علينا بها ، والخضوع لله لأجلها بالقلوب ، أو مع اللسلا ، واذا فسرنا الذكر بذكر القلب ، كان معه اللسان ، أو لم يكن لم نحتج الى الجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولا الى التأويل بعموم المجاز ، وذكر اللسان بلا حضور قلب لا يعد ذكرا ، والذكر حقيقة فى اللسان ، ولو لم يحضر القلب لكن لا ثواب ان لم يحضر إلا إن كان عدم حضوره عن غلبة ، وكذلك تستغنى بما ذكرت عن دعوى استعمال المشترك فى معنييه ، ان قلنا : الذكر حقيقة فى القلب ، وحقيقة فى اللسان .
﴿ وتقُولُوا ﴾ عند إرادة الركوب للسفر ، أو غيره كما يركب الانسان دابته كل يوم الى جنته ، أو محرثه قولوا ذلك متعجبين تعجب استعظام بألسنتكم ، مع قلوبكم ﴿ سبحان الَّذى سَخَّر لنا ﴾ ذلل لنا ﴿ هَذا ﴾ أى هذا المركوب من سفينة أو دابة ، وقيل : يقول راكب السفينة بسم الله مجراها ومرساها ان ربى لغفور رحيم ، وعند النزول منها : اللهم أنزلنا منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين ، وأما قول الحسن بن على لقائل عند الركوب : سبحان الذى سخر لنا هذا ، انما امرتم أن تقولوا : الحمد الله الذى هدانا للاسلام ، الحمد لله الذى منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الحمد لله الذى جعلنى فى خير أمة أخرجت للناس ﴿ سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ان صح عنه ذلك ، فليس تفسيرا لاسم الاشارة ، بل زيادة منه .
والاشارة إنما هى للمركوب كما زاد ابوه على إذا قال حال الركوب والستواؤة : الحمد لله ثلاثا ، والله أكبر ثلاثا « سبحان الذى يسخر لنا هذا » الى « منقلبون » سبحانك لا إله إلا أنت ، قد ظلمت نفسى فاغفر لى ذنوبى ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم ضحك فقيل : مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ، ثم ضحك فقلت : يا رسلو الله مم ضحكت فقل :
« يتعجب الرب من عبده اذا قال رب اغفر لى ، ويقول : علم عبدى أنه لا يغفر الذنوب غيرى » رواه الترمذى ، وأبو داود والنسائى ، وتعجبه تعالى استعظامه لشىء ، ويروى أنه تعالى يقول : « علم أن له ربا يغفر الذنب » وروى مسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم اذا استوى على بعيره خارجا الى سفر ، حمد الله تعالى وسمى وكبر ثلاثا ، وقال : ﴿ سبحان الذى سخر ﴾ الى ﴿ منقلبون ﴾ وزعم شهر بن حوشب أن الاشارة الى الاسلام .
﴿ وما كُنَّا له مقرنينَ ﴾ مضيقين ، ولولا أن الله سخر لنا الدواب والفلك ، لم ننتفع بهن ، واصله من أقرنته وجدته قرينى ، أو جعلته قرينى كان قوم مسافرون اذا ركبوا قالوا : ﴿ سبحان الذى ﴾ الى ﴿ منقلبون ﴾ وقال رجل منهم : أما أنا فمقرن لناقتى هذه ، فركبها فصرمته واندق عنقه ، وجقته بأرجلها ومات .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٣٨