تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الزخرف

الجزء الزخرف · صفحة ٠
[سورة الزخرف — آية 13]

﴿ لتَسْتوو ﴾ تستقروا ﴿ على ظهوره ﴾ اللام للتعليل ، ولا يجوز صرفها مع امكان بلا ضعف اللاى الصيرورة ، وليست لام الأمر ، لأن المقام للتعليل لا الأمر ، ولا يتبادر الأمر ، ولأنه يلزم عليه أمر المخاطب باللام فى ثلاثة مواضع : تستوو ، وتذكروا ، وتقولوا ، مع أنه قليل الورود ، ولغة رديئة لا جيدة ، كما قال الزجاج ، وشاذ فى القرآن مثل : فلتفرحوا بالتاء فى قراءة ، وورد فى الشعر كقوله :

لتقم أنت يا ابن خير قريش … وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « لتأخذوا مصافكم » فالتحقيق أن رواة الحديث قد لا يحسنون العربية ، فلا يحتج بهم ، ولو كانوا ثقاة فى المعنى ، فنقول : رووه بالمعنى ، ولو رجح الاحتجاج بهم الجمهور ، ألا ترى أنهم يقولون : مثنى مثنى ، ويقرنون خبر كاد ، ولا يكادون يتركون ذلك الى غير ذلك مما لا يقبل فى العربية ، وليس ذلك منهم شذوذا ، بل يكثرونه ، ويلتزمونه ، فعلمنا أن ذلك خلل منهم ، والهاء فى ظهوره عائدة الى ما باعتبار اللفظ ، والظهور ظهور الفلك ، وظهور الأنعام ، وهى المغلبة حتى نسب الظهور للفلك ، والجمع باعتبار معنى مَّا .

﴿ ثمَّ تّذكروا نعْمة ربِّكم اذا اسْتَويتُم عَليْه ﴾ أى على ما تركبون مراعاة للفظ ما اذا أفرد ، وذكر النعمة استحضار أن الله علينا بها ، والخضوع لله لأجلها بالقلوب ، أو مع اللسلا ، واذا فسرنا الذكر بذكر القلب ، كان معه اللسان ، أو لم يكن لم نحتج الى الجمع بين الحقيقة والمجاز ، ولا الى التأويل بعموم المجاز ، وذكر اللسان بلا حضور قلب لا يعد ذكرا ، والذكر حقيقة فى اللسان ، ولو لم يحضر القلب لكن لا ثواب ان لم يحضر إلا إن كان عدم حضوره عن غلبة ، وكذلك تستغنى بما ذكرت عن دعوى استعمال المشترك فى معنييه ، ان قلنا : الذكر حقيقة فى القلب ، وحقيقة فى اللسان .

﴿ وتقُولُوا ﴾ عند إرادة الركوب للسفر ، أو غيره كما يركب الانسان دابته كل يوم الى جنته ، أو محرثه قولوا ذلك متعجبين تعجب استعظام بألسنتكم ، مع قلوبكم ﴿ سبحان الَّذى سَخَّر لنا ﴾ ذلل لنا ﴿ هَذا ﴾ أى هذا المركوب من سفينة أو دابة ، وقيل : يقول راكب السفينة بسم الله مجراها ومرساها ان ربى لغفور رحيم ، وعند النزول منها : اللهم أنزلنا منزلا مباركاً وأنت خير المنزلين ، وأما قول الحسن بن على لقائل عند الركوب : سبحان الذى سخر لنا هذا ، انما امرتم أن تقولوا : الحمد الله الذى هدانا للاسلام ، الحمد لله الذى منَّ علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، الحمد لله الذى جعلنى فى خير أمة أخرجت للناس ﴿ سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ﴾ ان صح عنه ذلك ، فليس تفسيرا لاسم الاشارة ، بل زيادة منه .

والاشارة إنما هى للمركوب كما زاد ابوه على إذا قال حال الركوب والستواؤة : الحمد لله ثلاثا ، والله أكبر ثلاثا « سبحان الذى يسخر لنا هذا » الى « منقلبون » سبحانك لا إله إلا أنت ، قد ظلمت نفسى فاغفر لى ذنوبى ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، ثم ضحك فقيل : مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت ، ثم ضحك فقلت : يا رسلو الله مم ضحكت فقل :

« يتعجب الرب من عبده اذا قال رب اغفر لى ، ويقول : علم عبدى أنه لا يغفر الذنوب غيرى » رواه الترمذى ، وأبو داود والنسائى ، وتعجبه تعالى استعظامه لشىء ، ويروى أنه تعالى يقول : « علم أن له ربا يغفر الذنب » وروى مسلم ، وأبو داود ، والترمذى ، عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم اذا استوى على بعيره خارجا الى سفر ، حمد الله تعالى وسمى وكبر ثلاثا ، وقال : ﴿ سبحان الذى سخر ﴾ الى ﴿ منقلبون ﴾ وزعم شهر بن حوشب أن الاشارة الى الاسلام .

﴿ وما كُنَّا له مقرنينَ ﴾ مضيقين ، ولولا أن الله سخر لنا الدواب والفلك ، لم ننتفع بهن ، واصله من أقرنته وجدته قرينى ، أو جعلته قرينى كان قوم مسافرون اذا ركبوا قالوا : ﴿ سبحان الذى ﴾ الى ﴿ منقلبون ﴾ وقال رجل منهم : أما أنا فمقرن لناقتى هذه ، فركبها فصرمته واندق عنقه ، وجقته بأرجلها ومات .

٤٬٣٣٨ / ٦٬٢٣٦