سورة الزخرف · الآية ٥٧ من ٨٩

‹ السورة السابقة
وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡیَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ یَصِدُّونَ٥٧
الرسم الإملائيّ

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ

الجزء ٢٥الربع ١٩٨ صفحة ٤٩٣

تفسيرها

[سورة الزخرف — آية 57]

}وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴿ ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل، أو الخصومة بالباطل، لا لتمييز الحق من الباطل،﴾بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)﴿شداد الخصومة، حراص على اللجاج والمحاجة. ﴾إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ﴿ آية وعبرة لبني إسرائيل، أمرا عجيبا (لعله) يعرفون به قدره كالمثل السائر ﴾مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59){ وهو الجواب المزيج لتلك الشبهة.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٨٢

[سورة الزخرف — آية 57]

قوله عز وجل : ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ [ أي : يضحكون في قراءة من قرأ بكسر الصاد؛ ومن قرأها برفعها فهو من الصدود؛ أي : يقرّون ] .

تفسير الكلبي قال : لما نزلت ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ [ الأنبياء : 98 ] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مقابل الكعبة فقرأ هذه الآية ، فوجد منها أهل مكة وجداً شديداً . فدخل عليهم ابن الزبعرى الشاعر ، وقريش يخوضون في ذكر هذه الآية فقال : أمحمد تكلم بهذا؟ قالوا : نعم . فقال والله لئن اعترف لي بهذا لأخصمنّه . فلقيه فقال : يا محمد ، أرأيت الآية التي قرأت آنفاً ، أفينا وفي آلهتنا نزلت خاصة ، أم في الأمم وآلهتهم معنا؟ فقال : لا ، بل فيكم وفي آلهتكم وفي الأمم وآلهتهم . فقال : خصمتك والذي يحلف به . قال بعضهم : خصمتك ورب الكعبة . أليس تثني على عيسى ومريم والملائكة خيراً ، وقد علمت أن النصارى يعبدون عيسى وأمه ، وأن طائفة من النار يعبدون الملائكة ، أفليس هؤلاء مع آلهتنا في النار .

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتضاحكت قريش وضجّوا . فذلك قول الله عز وجل : ﴿ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ﴾ أي : من الصدود .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٨٢

[سورة الزخرف — آية 57]

﴿ فجعلناهم سَلفاً ﴾ متقدمين الى النار ، كماروى عن ابن عباس ، وزيدنبن أسلم ، وهو أنسب بما قبله من الاغراق ، وقلت جماعة : قدوة لمن يتبعهم بعدهم على الكفر الذى يستوجبون به الانتقام ، لما اقتدوا بهم فى الكفر ، جعلوا كانهم اقتدوا بهم فى الانتقام منهم ، والسلف ما تقدم عمن بعده ، أصله مصدر فكان يطلق على الواحد فصاعدا ، وقيل : هو جمع سالف كحارس وحرس ، وخادم وخدم ، وهو جمع قليل ، فأولى منه أنه اسم جمع ﴿ ومَثَلا للآخَرين ﴾ عظة عظيمة تشبه المثل السائر ، فيقال : احذروا لئلا تصيروا الى مثل ما صار اليه فرعون وقومه ، ويقال : المؤمنين ، لأن الوعظ لهم ولغيرهم وللآخرين نعت لمثلا ، ويقدر مثله لسلفا ، وليس على التنازع ، إذ لا يتبادر التعلق وسلفا ، واذا علق بجعل انسحب عليهما بلا حذف ، ولا تنازع ، ومن ذلك عناد قريش المذكور فى قوله تعالى :

﴿ ولمَّا ضُربَ ابن مَريم مَثلا ﴾ معول ثان لضُرب اى صُيِّرَ ، لمَّا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ﴾ الخ قال عبد الله بن الزبعرى قبل اسلامه ، عيسى عبد صلاح نبى عندك ، وقد عبدته النصارى ، أيكون فى النار معهم ، واليهود عبدوا عُزيراً ، وبنوا المليح عبدوا الملائكة ، فقد رضيت أن نكون نحن وآلهتنا معهم فى النار ، لا يكون ذلك ، فسكت ونزل ﴿ إن الذين سبقت لهم منَّا الحُسْنى ﴾ الخ أو هذه الآية ، وقيل قال : ما أجهلك بلغة قومك إن ما لمن لا يعقل ، وأظنه موضوعاد لأنها تكون فى القرآن أيضا للعاقل ، وتكون لهما ، وان سكت فانه سكت لظهور الأمر عندهم ، أن الملائكة وعزيزاً وعيسى لنم يرادوا فى قوله تعالى : ﴿ إنكم وما تعبدون ﴾ الخ ، ولما غرف ابن الزبعرى من كلامه فرحت قريش بذلك ، ظنا منهم أنه حجة فحكوا ، وعلت أصواتهم كما قال الله تعالى :

﴿ إذا قومك منْه يَصدون ﴾ يتكلمون بكلام مرتفع مختلط فرحا ، كما قرىء بكسر الصاد ، والمكسور الصاد بمعنى رفع الصوت ، وقيل المعنى يصدون غيرهم عن سبيل الله ، أو يعرضون عنه ، فالمراد يدومون على ذلك ، أو يزيدون عليه بحجة داحضة ، وهى ما قال ابن الزبعرى ، ومن للتعليل أو للنسب ، أو للابتداء على معنى تولد زيادة الصد ، أو الثبوت ، أو ارتفاع الصوت منه ، والهاء للمثل أو لعيسى ، أو من المثل .

وروى أنه لما نزل : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ الخ قالت المشركون : نحن أهدى من النصارى ، لأنهم عبدوا آدميا ، ونحن عبدنا الملائكة ، فنزلت الآية ، فالمثل ما فى قوله تعالى : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ الخ ، وضرب المثل الله تعالى : وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال :

« لا خير فى شىء يعبد من دون الله » فقال قريش : عيسى عبد فهو كآلهتنا ، فنزلت : ﴿ ولما ضرب ابن مريم ﴾ الخ وقيل : لما أنكر عليهم قولهم : الملائكة بنات الله ، وأنكر عبادتها على من يعبدها ، احتمل أنهم قالوا : ما قلنا بدعا من القول ، ولا فعلنا منكرا من الفعل ، فان النصارى جعلوا عيسى ابنا لله وعبدوه ، فنحن أحق ، إذ الملائكة أفضل من عيسى ، فنزل : ﴿ ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون ﴾ وقيل : نزل : ﴿ إن مثل عيسى ﴾ الخ فقالوا : ما أراد محمد إلا أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى ، فنزل : ﴿ ولما ضرب ابن مريم ﴾ الخ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٣٨٢