سورة الجاثية · الآية ٢٤ من ٣٧

‹ السورة السابقة
وَقَالُوا۟ مَا هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا ٱلدُّنۡیَا نَمُوتُ وَنَحۡیَا وَمَا یُهۡلِكُنَاۤ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ٢٤
الرسم الإملائيّ

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

الجزء ٢٥الربع ٢٠٠ صفحة ٥٠١

تفسيرها

[سورة الجاثية — آية 24]

}وَقَالُوا مَا هِيَ﴿ ما الحياة أو الحال، ﴾إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴿ ]التي[ نحن فيها ﴾نَمُوتُ﴿ أي: نكون أمواتا نطفا وما قبلها، ﴾وَنَحْيَا﴿ بعد ذلك بمواقعة الآباء لا غير، ﴾وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴿ الإ الزمان، وهو الأصل مدة بقاء العالم؛ من دهره: إذا غلبه؛ ﴾وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴿ يعني: نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك، ﴾إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24){ إذ لا دليل لهم عليه، وإنما قالوه بناء على التعليل والإنكار لما يحسبونه.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٧

[سورة الجاثية — آية 24]

قوله عز وجل : ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ أي : نموت ونولد . [ قال محمد : يموت قوم ويحيى قوم ] ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ ﴾ قال مجاهد : وما يهلكنا إلا الزمان . أي : هكذا كان أمر من قبلنا ، وكذلك نحن نموت ولا نبعث .

قال الله تعالى : ﴿ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أي : بأنهم لا يبعثون ﴿ إِنْ هُمْ إِلاَ يَظُنُّونَ ﴾ أي : إِنْ ذلك منهم إلا ظن .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٧

[سورة الجاثية — آية 24]

﴿ وقالوا ﴾ أى الكفرة ، أو من اتخذ باعتبار معناه ، كما أفرد قبل ذلك نظرا للفظة ﴿ ما هِى ﴾ أى ما الحياة أو ما الحالة ﴿ إلا حَياتنا الدنيا ﴾ مجردة عن الحياة بعد الموت ﴿ نموتُ ونَحْيا ﴾ يموت الحى منا ويولد الحى فيحيا ، ثم موت ، وهكذا أو عطفت الواو السابق فينا اللاحق ، أى نحيا ونموت ، أو نكون نطفا وما بعدها ، وينفخ فينا الروح ، ونكون أياء ، وقيل : أرادوا بالحياة بقاء الفسل ، أى نموت بأنفسنا ونحيا بحياة أولادنا ، وقيل : نموت بالأجساد ونحيا بالأرواح ، وهو قول تناسخ الأرواح ، يخرج روح إنسان ويدخل فى جسد انسان آخر فى البطن ، أو فى بغل أو حمار وغيرهما ، ويخرج من حمار ، ويدخل فى حمار آخر أو بغل ، أو فى انسان ، وفى جميع ذلك يقولون لا بعث ، ﴿ وما يُهْلكنا إلا الدهْر ﴾ أى طول الزمان وهو أخص من الزما ، وقيل : الدهر فى الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ وجوده الى انقضائه ، ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة ، والزمان يقع على أقل قليل وام فوقه ، ودهر كل شىء عمره ، ومعنى الآية انما يهلكنا الدهر ، لا ملك الموت ، وهم منكرون لملك الموت ، ويسندون الحوادث الى الدهر ، وهم معترفون بوجود الله تعالى ، وليسوا بالدهرية الذين ينكرون وجود الله تعالى ، ويسندون الحوادث الى الدهر ، ولا يبعد أن يكون الزمان عندهم مقدار حركة الفلك ، كما قال معظم الفلاسفة ، وفى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم : « لا يسب أحدكم الدهر فان الله هو الدهر » يعنى أن ما تنسبونه الى الدهر من الحوادث وتسبونه لأجلها ليس فعلا له بل لى .

وروى أبو داود والحاكم ، عنه صلى الله عليه وسلم ، عن الله عز وجل : « يؤذينى ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فانى أنا الدهر ، أقلب ليله ونهاره » أى أن الفاعل لا ما تنسبون فعله الى الدهر ، ومعن يؤذينى يفعل ما نهيته عنه ، وذلك أن مخالفة الناهى فى الجملة تضر الناهى بالغيظ والحزن ، وتغيير القلب تعالى الله عن ذلك ، وروى الحاكم : يقول الله عز وجل : « استقرضت عبدى فلم يقرضنى وشتمنى عبدى وهو لا يدرى يقول وادهراه وأنا الدهر » أى أنا الخالق لما تشكون منه لا الدهر ، وروى البيهقى : « لا تسبوا الدهر قال الله عزّ وجل : أنا الليالى والأيام أجددها وأبليها وآتى بملوك بعد ملوك » وعبارة بعض أن الآتى بالحوادث هو الله ، فاذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السب على الله ، قلت : ما ذكرته أولى ، وقد لا يسب الدهر من يعرف أن الله تعالى هو الآتى بالحوادث ، فيكون فاسقا ، بالجزع بما أجرى الله عز وجل فى الدهر ، وسب الدهر كبيرة ، ومن سب الله أشرك .

وظاهر ما ذكر أن من سب الدهر فقد سب الله ، وأن من سبه أشرك لأنه سب الله عز وجل ، وقال الشافعية : مكروه ، وان كان السب لعنا أو ما هو بمنزلته فقد جاء أنه من لعن ما لا يستحق اللعن ، رجعت عليه اللعنة ، فهو فاسق ولو لم يرد الا الزمان ، ومن اعتقد تأثير الدهر مستقلا عن الله سبحانه ، فهو مشرك .

﴿ وما لَهُم بذلك مِن علِمٍ ﴾ لا علم لهم مستندا الى عقل أو تقل بذلك المذكور من أنه لا حياة بعد الموت من هذه الحياة ، وأنه انما يهلكهم الدهر ﴿ إن هم ﴾ فى ذلك ﴿ إلا يظنُّون ﴾ تقليداً .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٤٩٧