سورة الأحقاف · الآية ٢٥ من ٣٥

‹ السورة السابقة
تُدَمِّرُ كُلَّ شَیۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُوا۟ لَا یُرَىٰۤ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ٢٥
الرسم الإملائيّ

تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

الجزء ٢٦الربع ٢٠٢ صفحة ٥٠٥

تفسيرها

[سورة الأحقاف — آية 25]

}فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴿ سحابا عرض في أفق السماء، ﴾مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴿ متوجه أوديتهم؛ ﴾قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴿ قيل: ﴾بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴿ من العذاب، ﴾رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ﴿ (لعله) تهلك ﴾كُلَّ شَيْءٍ﴿ (لعله) أتت عليه ﴾بِأَمْرِ رَبِّهَا﴿ لا تتجاوز غيره أمره، أي: لا تهلك شيئا لم تؤمر بإهلاكه، ولا تبقي شيئا أمرت بإهلاكه، ﴾فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25){.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٣٥

[سورة الأحقاف — آية 25]

قوله : ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ ﴾ أي رأوا العذاب ﴿ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ﴾ أي : حسبوه سحاباً ، وكان قد أبطأ عنهم المطر .

قال الله عز وجل : ﴿ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ﴾ أي : لما كانوا يستعجلون به هوداً من العذاب استهزاءً وتكذيباً . فقال : بل هو ما استعجلتم به ﴿ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ﴾ أي : تدمر كل شيء أمرت به ، وهي ريح الدبور .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » وذكروا عن ابن عباس عن النبي عليه السلام مثل ذلك .

قال الله : ﴿ فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ يقوله للنبي عليه السلام؛ أي : لا تبصر إلا مساكنهم . وهي تقرأ على وجه آخر : ﴿ لاَ تُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ أي : قد هلكت وبقيت مساكنهم . وهي تقرأ على وجه ثالث : ﴿ فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ . قال الله : ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ أي : المشركين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٣٥

[سورة الأحقاف — آية 25]

﴿ فلمَّا ﴾ عطف على محذوف مستأنف ، أى أتاهم ، فلما الخ ، أو محذوف معطوف أى فأتاهم فلما ﴿ رأوه ﴾ بأبصارهم ، والهاء والمستتر فى أتاهم المقدر لما فى قوله : ﴿ لما تعدنا ﴾ والذى رأوه لم يروه على أنه الموعود به ، لأنهم أنكروا الموعود ، وانما هو موعود عند الله ، وباعتبار أنه سيعلمون أنه اذا نزل علموا أنه الموعود يصدق مبهمان مفسران بقوله ﴿ عارضا ﴾ حال باعتبار أصله من الوصفية ، أو تمييز باعتبار تغلب الاسمية عليه ، فانه السحاب الذى فى أفق السماء ، سمى لأنه يعرض ، لكن تفسير الضمير بما بعده مخصوص بأبواب ، وليس منها تفسيره بالحال والتمييز ، ولا مانع من اطراده مطلقا باعتبار نكثة الابهام ، ثم البيان ، ولا مانع من أن عرضا بدل ، فقد فسر بالبدل .

﴿ مُسْتقبل أوْديتهم ﴾ اضافة مستقبل لفظية ، لأنه وصف للحال ، اضافته للمعرفة لا تفيد التعريف ، فصح نعت النكرة به ، وهى عارضا ، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية ، والمفرد وادٍ ، وجمع فاعل الذى هو غير وصف على أفعلة شاذ قياسا ، فصيح استعمالا حيث ورد ، فان واديا وصف تغلب عليه الاسمية ، وكذا نادٍ لمعنى مجمع القوم ، وجائزة للخشة الممتدة فى أعلى السقف ، تعتمد عليه خشب ، وأصلهما وصف سمع أندية وأجوزة ﴿ قالُوا هَذا عارضٌ ﴾ سحاب ﴿ مُمْطِرنا ﴾ نعت للنكرة ، لأنه وصف للاستقبال ، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية ، وليست اضافة مثل ذلك مجازا كما قل : لأن باب التقييد واسع ، يقول ممطرهم لا ممطر غيرهم ، والأصل يمطرهم ، ثم كان المعنى بالاضافة أنه ممطر لهم ، كما تقول : غلام زيد ، وغلام له ، فان مكرمك شخصه نسبته أنه لك بالاكرام ، فانه ولو لم يفد فائدة زائدة على ما قيل الاضافة ، لكن تجدد له معنى آخر معتبر بالاضافة ، فلا تقل كما قيل لما لم يفد فائدة زائدة عد كأن اضافته كلا اضافة .

﴿ بلْ هُو ما اسْتعجَلْتم به ﴾ من العذاب أى قال هود : بل ذلك العارض هو ما استعجلتم به ، كما قرأ بعض قال هود : بل هو الخ ، وقدر بعض : قل بل هو الخ كما قرأ به بعض وذلك أنه لم يخاطبهم بذلك فى زمان ، القرآن ، ولا هو من كلام قوم هود القائلين : ﴿ هذا عارض ﴾ فاحتجنا الى التقدير ، وقدر بعض قال الله : ﴿ بل هو ﴾ الخ ولا باس لأن المراد قال الله فى ذلك الزمان ، وبل على كل حال للاضراب الابطالى ﴿ ريحٌ ﴾ بدل من ما أو خبر لمحذوف ، أى هو ريح ، أو هى ريح بتأنيث الضمير لتأنيث خبر ، لأن الريح يؤنث ويذكر ، أو بدل من هو على أن هو خبر مقدم ، وما مبتدأ ، والواضح ما مرّ ، ولفظ هو مبتدأ وما خبر ، والتنكير للتعظيم ، ويقال تقطع الريح المعتدلة فى ساعة نحو فربسخ ، والمتوسطة نحو أربعة فراسخ ، والقوية نحو ثمانية فراسخ ، وما هى أقوى نحو ستة عشر فرسخا ، وما هو أقوى منها ، وتسمى العاصف نحو سبعة عشر فرسخا ، وما فوقها ، وتسمى المؤتفكة نحو تسعة وعشرين فرسخا ، وأكثر ما قيل : ستة وثلاثين فرسخا ، ونعت الريح بقوله : ﴿ فيها عَذابٌ أليمٌ ﴾ وبقوله :

﴿ تُدمِّر ﴾ تهلك ﴿ كُلَّ شىءٍ ﴾ أمرت بتدميره وهو نفوسهم وأموالهم ، كما قيد فى آية أخرى بقوله : أتت عليه ، وقد يفيد ذلك التقييد قوله عز وجل : ﴿ بأمر ربِّها ﴾ على معنى بحسب ما يأمرها الله باهلاكه ، لا كل شىء مطلقا ، بل أنفسهم وأموالهم الا المساكن ، كما قال عز وجل : ﴿ فأصْبَحوا ﴾ أى صاروا ، وذلك على انه أهلكوا نهارا ، وإن أهلكوا ليلا فأصبحوا ، أو فأتت الريح فدمرتهم فأصبحوا ﴿ لا يرى ﴾ يا محمد أو يا من يصلح للرؤية لو كنت فى ذلك الزمان ، وفى ذلك المكان .

﴿ إلاَّ مساكنهم ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : أول ما رأوا من شأنها أنهم رأوا إبلهم وبقرهم وسائر حيوانهم بين السماء والأرض كالريش تحملها الريح ، وتلقيها ، فبادروا بيوتهم فأغلقوها على أنفسهم ، ففتحختها ومالت عليهم بالرمال ، فبقوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، وأرسل الله عز وجل الريح فكشف عنهم وألقتهم فى البحر ، ويروى أن الريح تجيد الانسان من داخل البيت وتدقه ، وتلقى عليه التراب ، وترجمهم بالحجارة ، وقيل : بقوا تحت الرمال ، وبهذا أو بالالقاء فى البحر لا ترى الا مساكنهم ، وعلى فرض أنهم بقوا بعد الهلاك بالأحقاف منكشفين ، يكون المعنىلا تراهم على حالهم فى حياتهم ، وكانت كعاقل مأمور .

وروى أنه أول من أبصر العذاب منهم امرأة ، رأت ريحا فيها كشهب النار ، ولم أحس هود بالريح خط على نفسه والمؤمنين خطا الى جنب عين تنبع ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : اعتزلوا فى حظيرة يصيبهم من الريح ما يلين جلودهم ، وهى ريح واحدة على الكفار شديدة من جهة واحدة ، وريح هود والمؤمنين معه رياح من هاهنا خفيفة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الريح : « اللهم اجعلها رياحا لا ريحا » ويقول : « اللهم انى اسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها وشر ما أرسلت به » وكان يتغير لونه بتعير السماء بالسحاب ، ويخرج ويدخل ويقبل ويدبر ، واذا أمطرت زال عنه ذلك ، فسألته عائشة فقال : « أدرى لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا » ﴿ كَذلِك ﴾ مثل ذلك الجزاء فى الشدة بغير ريح ورمال ﴿ نَجْزى القَوم المُجْرمين ﴾ سائر المجرمين ، والمراد الجنس لا الاستغراق ، لأنه لم يهلك كل قوم مجرمين .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٣٥