تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأحقاف

الجزء الأحقاف · صفحة ٠
[سورة الأحقاف — آية 25]

﴿ فلمَّا ﴾ عطف على محذوف مستأنف ، أى أتاهم ، فلما الخ ، أو محذوف معطوف أى فأتاهم فلما ﴿ رأوه ﴾ بأبصارهم ، والهاء والمستتر فى أتاهم المقدر لما فى قوله : ﴿ لما تعدنا ﴾ والذى رأوه لم يروه على أنه الموعود به ، لأنهم أنكروا الموعود ، وانما هو موعود عند الله ، وباعتبار أنه سيعلمون أنه اذا نزل علموا أنه الموعود يصدق مبهمان مفسران بقوله ﴿ عارضا ﴾ حال باعتبار أصله من الوصفية ، أو تمييز باعتبار تغلب الاسمية عليه ، فانه السحاب الذى فى أفق السماء ، سمى لأنه يعرض ، لكن تفسير الضمير بما بعده مخصوص بأبواب ، وليس منها تفسيره بالحال والتمييز ، ولا مانع من اطراده مطلقا باعتبار نكثة الابهام ، ثم البيان ، ولا مانع من أن عرضا بدل ، فقد فسر بالبدل .

﴿ مُسْتقبل أوْديتهم ﴾ اضافة مستقبل لفظية ، لأنه وصف للحال ، اضافته للمعرفة لا تفيد التعريف ، فصح نعت النكرة به ، وهى عارضا ، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية ، والمفرد وادٍ ، وجمع فاعل الذى هو غير وصف على أفعلة شاذ قياسا ، فصيح استعمالا حيث ورد ، فان واديا وصف تغلب عليه الاسمية ، وكذا نادٍ لمعنى مجمع القوم ، وجائزة للخشة الممتدة فى أعلى السقف ، تعتمد عليه خشب ، وأصلهما وصف سمع أندية وأجوزة ﴿ قالُوا هَذا عارضٌ ﴾ سحاب ﴿ مُمْطِرنا ﴾ نعت للنكرة ، لأنه وصف للاستقبال ، كأنه منون ناصب لما بعده على المفعولية ، وليست اضافة مثل ذلك مجازا كما قل : لأن باب التقييد واسع ، يقول ممطرهم لا ممطر غيرهم ، والأصل يمطرهم ، ثم كان المعنى بالاضافة أنه ممطر لهم ، كما تقول : غلام زيد ، وغلام له ، فان مكرمك شخصه نسبته أنه لك بالاكرام ، فانه ولو لم يفد فائدة زائدة على ما قيل الاضافة ، لكن تجدد له معنى آخر معتبر بالاضافة ، فلا تقل كما قيل لما لم يفد فائدة زائدة عد كأن اضافته كلا اضافة .

﴿ بلْ هُو ما اسْتعجَلْتم به ﴾ من العذاب أى قال هود : بل ذلك العارض هو ما استعجلتم به ، كما قرأ بعض قال هود : بل هو الخ ، وقدر بعض : قل بل هو الخ كما قرأ به بعض وذلك أنه لم يخاطبهم بذلك فى زمان ، القرآن ، ولا هو من كلام قوم هود القائلين : ﴿ هذا عارض ﴾ فاحتجنا الى التقدير ، وقدر بعض قال الله : ﴿ بل هو ﴾ الخ ولا باس لأن المراد قال الله فى ذلك الزمان ، وبل على كل حال للاضراب الابطالى ﴿ ريحٌ ﴾ بدل من ما أو خبر لمحذوف ، أى هو ريح ، أو هى ريح بتأنيث الضمير لتأنيث خبر ، لأن الريح يؤنث ويذكر ، أو بدل من هو على أن هو خبر مقدم ، وما مبتدأ ، والواضح ما مرّ ، ولفظ هو مبتدأ وما خبر ، والتنكير للتعظيم ، ويقال تقطع الريح المعتدلة فى ساعة نحو فربسخ ، والمتوسطة نحو أربعة فراسخ ، والقوية نحو ثمانية فراسخ ، وما هى أقوى نحو ستة عشر فرسخا ، وما هو أقوى منها ، وتسمى العاصف نحو سبعة عشر فرسخا ، وما فوقها ، وتسمى المؤتفكة نحو تسعة وعشرين فرسخا ، وأكثر ما قيل : ستة وثلاثين فرسخا ، ونعت الريح بقوله : ﴿ فيها عَذابٌ أليمٌ ﴾ وبقوله :

﴿ تُدمِّر ﴾ تهلك ﴿ كُلَّ شىءٍ ﴾ أمرت بتدميره وهو نفوسهم وأموالهم ، كما قيد فى آية أخرى بقوله : أتت عليه ، وقد يفيد ذلك التقييد قوله عز وجل : ﴿ بأمر ربِّها ﴾ على معنى بحسب ما يأمرها الله باهلاكه ، لا كل شىء مطلقا ، بل أنفسهم وأموالهم الا المساكن ، كما قال عز وجل : ﴿ فأصْبَحوا ﴾ أى صاروا ، وذلك على انه أهلكوا نهارا ، وإن أهلكوا ليلا فأصبحوا ، أو فأتت الريح فدمرتهم فأصبحوا ﴿ لا يرى ﴾ يا محمد أو يا من يصلح للرؤية لو كنت فى ذلك الزمان ، وفى ذلك المكان .

﴿ إلاَّ مساكنهم ﴾ قال ابن عباس رضى الله عنهما : أول ما رأوا من شأنها أنهم رأوا إبلهم وبقرهم وسائر حيوانهم بين السماء والأرض كالريش تحملها الريح ، وتلقيها ، فبادروا بيوتهم فأغلقوها على أنفسهم ، ففتحختها ومالت عليهم بالرمال ، فبقوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، وأرسل الله عز وجل الريح فكشف عنهم وألقتهم فى البحر ، ويروى أن الريح تجيد الانسان من داخل البيت وتدقه ، وتلقى عليه التراب ، وترجمهم بالحجارة ، وقيل : بقوا تحت الرمال ، وبهذا أو بالالقاء فى البحر لا ترى الا مساكنهم ، وعلى فرض أنهم بقوا بعد الهلاك بالأحقاف منكشفين ، يكون المعنىلا تراهم على حالهم فى حياتهم ، وكانت كعاقل مأمور .

وروى أنه أول من أبصر العذاب منهم امرأة ، رأت ريحا فيها كشهب النار ، ولم أحس هود بالريح خط على نفسه والمؤمنين خطا الى جنب عين تنبع ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : اعتزلوا فى حظيرة يصيبهم من الريح ما يلين جلودهم ، وهى ريح واحدة على الكفار شديدة من جهة واحدة ، وريح هود والمؤمنين معه رياح من هاهنا خفيفة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى الريح : « اللهم اجعلها رياحا لا ريحا » ويقول : « اللهم انى اسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما فيها وشر ما أرسلت به » وكان يتغير لونه بتعير السماء بالسحاب ، ويخرج ويدخل ويقبل ويدبر ، واذا أمطرت زال عنه ذلك ، فسألته عائشة فقال : « أدرى لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا » ﴿ كَذلِك ﴾ مثل ذلك الجزاء فى الشدة بغير ريح ورمال ﴿ نَجْزى القَوم المُجْرمين ﴾ سائر المجرمين ، والمراد الجنس لا الاستغراق ، لأنه لم يهلك كل قوم مجرمين .

٤٬٥٣٥ / ٦٬٢٣٦