قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعࣰا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَاۤ أَدۡرِی مَا یُفۡعَلُ بِی وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا یُوحَىٰۤ إِلَیَّ وَمَاۤ أَنَا۠ إِلَّا نَذِیرࣱ مُّبِینࣱ٩
الرسم الإملائيّ
قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
الجزء ٢٦الربع ٢٠١ صفحة ٥٠٣
تفسيرها
}قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴿ بديعا منهم، أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه؛ أو لست أول مرسل فتنكروا نبوتي، ﴾وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴿ في الدارين على التفصيل، إذ لا علم لي بالغيب، ﴾إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴿ لا أتجاوزه، وهو جواب عن اقتراحهم، ]و[ الإخبار عما لم يوح إليه من الغيوب، ﴾وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴿ عن عقاب الله ﴾مُبِينٌ (9){.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥١٩
قال : ﴿ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ ﴾ أي : ما كنت أولهم ، قد كان الرسل قبلي ﴿ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ﴾ تفسير الحسن : وما أدري ما يحكم لي ولكم الله من الأحكام والشرائع ، وهل يتركني مقيماً بين أظهركم في دار الشرك أم يخرجني إلى دار الهجرة .
وقال الكلبي : إن النبي عليه السلام قال : لقد رأيت في منامي أرضاً أخرج إليها من مكة . فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا : يا نبي الله ، حتى متى نلقى هذا البلاء ، متى نخرج إلى الأرض التي رأيت . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما أدري ما يفعل بي ولا بكم ، أنموت بمكة أم نخرج منها » .
قال : ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ . قال بعضهم : أنزل الله بعد ذلك : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا ﴾ [ الفتح : 1-3 ] .
ذكروا عن أنس بن مالك قال : إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة ، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ، ونحروا الهدي بالحديبية فقال : لقد نزلت علي آية لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها جميعاً . فتلاها عليهم ، فقال رجل من القوم : هنيئاً لك يا رسول الله ، قد بيّن الله لك ما يفعل بك ، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله : ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [ الفتح : 5 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥١٩
﴿ قُل ﴾ يا محمد لقومك ﴿ ما كنْت بدعاً ﴾ مبتدعا عاصفة مشبهة كخف بمعنى خفيف ، وخل بمعنى خليل ، وطب بمعنى طبيب ، وهذا أولى من أن يكون مصدرا مقدار بالوصف أو بمضاف أى ذا بدع ، أو ما كان أمرى بدعا أو مبالغة ، وعليها يكون من باب قوله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ ﴿ مِنَ الرُّسل ﴾ نعت لبدعا ، أى مبتدعا اخرجا عنهم بأن جئت بما لم يجيئوا ، بل ما جئت إلا بالتوحيد الذى جاءوا به ، وبالدعاء اليه كما دعوا اليه ، وباظهار المعجزات كما أظهروها ليس على من المقترحات شىء ، كما أنها ليست عليهم إلا ما خص الله به بعضا ، وكانوا يقترحون عليه كقولهم : ﴿ فأتوا بآبائنا ﴾ فأمره الله أن يقول لهم ما كنت بدعا من الرسل .
﴿ وما أدرى ما يُفْعل بى ولا بكُم ﴾ فى الدنيا والآخرة على التفصيل الكلى ، وأما اجملا فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فى الجنة ، والكفرة فى النار ، وأن الكل سيموت واما أن يعمل متى يموت أو يموتون ، أو كم أنفاسه أو أنفاسهم أو رزقه أو رزقهم ، وسائر ما كتب له ولهم ، فلا ومن ذلك أن يعلم أنه أيقتل أم لا أو يخرج الى أرض ماء أن نخل رفعت له فى المنام ، أم لا وكذا هم ، ولا يعلم أنهم مقضى عليهم بالكفر الى أن يموتوا أو بالايمان بعد او يقذفون بالحجارة أو يخسف بهم ، ولا يعلم الا ما أخبره الله عز وجل به ، مثل : ان ربك أحاط بالناس أى لا يقتلونك ، وهو الذى أرسل رسوله بالهدى الخ ، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وقال له أصحابه وقد ضجروا : الى متى نكون هكذا فقال لعلى اخرج الى أرض ذات مخل وأشجار رأيتها فى المنام ، وقال الله عز وجل : ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ﴾ الخ فقالوا هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا فنزل : ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ﴾ وعن ابن عباس : ما يفعل بى ولا بكم فى الآخرة ، فالآية قبل نزول قوله تعالى : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم ﴾ الخ وما مات الرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علم أن الله غفر له ، وأنه من أهل الجنة .
وذكر الضحاك أن المراد ما أدرى ما أو مر به ، ولا ما تؤمرون به فى التكاليف والشرائع ، والجهاد والابتلاء ، واختار بعض المحققين أن نفى الدارية من غير جهة الوحى تفصيلية أو اجمالية دنيوية أو أخروية أى لا أدرى الا بالوحى ، وأنه ما مات حتى أوتى من العلم بالله تعالى وأفعاله وصفاته ، وأشياء يعد العلم بها كما لا ما لم يؤته غيره من العالمين ، لما مات عثمان بن مظعون رضى الله عنه ، قالت أم العلاء : أشهد أن الله أكرمك طب نفسا أنك فى الجنة فقال صلى الله عليه وسلم مغضباً :
« ما يدريك والله ، ما أدرى وأنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يفعل بى ولا بكم » فقالت : يا رسول الله صاحبك وفارسك ، فقال : « أجل وأنا ما رأينا الاخيرا وأرجوا له رحمة الله تعالى ، وأخاف عليه ذنبه » قال ابن عباس : ذلك قبل أن ينزل ﴿ ليغفر لك الله ﴾ الخ فقالت ، والله لا أزكى بعده أحدا .
وما استفهامية مبتدأ مخبرعنه بالجملة بعده ، والمجموع سد مسد مفعولى أدرى علق بالاستفهام ، أو موصولة ، فالجملة بعدها مفعول به لأدرى متعديا لواحد مثل أعرف ، وهذا غير معروف ، وأعيدت لا مع أنه لا ايهام بدونها لتأكيد انفراد كل بما يفعل به ، عن انس وقتادة وعكرمة ، والحسن بالبصرى : لما نزلت الآية قال المشركون وفرحوا : واللات والعزى أمرنا وأمر محمد واحد ، ولو كان ما يقول من الله تعالى لفضلة وأخبره بما يفعل به ، فنزل : ﴿ ليغفر لك الله ﴾ الخ ، فقال المسلمون : هنيئا لك فما لنا ، فنزل : ﴿ ليدخل المؤمنين ﴾ الخ ﴿ وبشر المؤمنين بأن ﴾ الخ هذا قبل أن ينزل عليه فى الحديبية غفران ذنبه ، وفى البخارى : قسم الأنصار المهاجرين فناب أهل بيت أم العلاء عثمان بن مظعون ، وهى ممن بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بمرض ، وقالت : أكرمك الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ما يدريك؟ » قالت : فمن يكرمه غير الله تعالى ، قال : « أرجوا له » والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى « قالت : والله لا أزكى بعده أحدا يا رسول الله ، ورأت له فى النوم عينا تجرى ، فقال لها صلى الله عليه وسلم : » ذلك عمله « .
وعن ابن عباس : ضايق المشركون على المؤمنين فقالوا : نخرج الى الأرض التى رأيت ، قال : » لا أدرى أنخرج اليها ، ولا أدرى أأخرج كما أخرج الأنبياء أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء ، ولا أدرى أتخرجون معى أم لا أيها المؤمنون ولا أدرى ما يفعل بكم أيها المجرمون أترجمون من السماء أم يخسف بكم أو يفعل بكم غير ذلك مما فعل بمن قبلكم ، ولا أدرى من الغالب « وجاء بعد ذلك : » هو الذى أرسل رسوله بالهدى « الخ ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ ﴿ إن أتبعُ إلا ما يُوحى إلىَّ ﴾ قولا وفعلا أو اعتقادا لا قدرة لى على ما تقترحونه ، وكانوا يقترحون عليه أمورا وعلما بالغيب ، وكان المسلمون يستعجلون الخلاص من أذى المشركين ، فالآية فى ذلك كله ، والأولى اختصاصها باقتراح الكفرة المذكور لقوله عز وجل : ﴿ وما أنا إلا نَذيرٌ ﴾ بكم بعقاب الله عز وجل ، بحسب ما يوحى الى ﴿ مُينٌ ﴾ ظاهر بالمعجزات ، أو مظهر للحق .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥١٩