تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأحقاف

الجزء الأحقاف · صفحة ٠
[سورة الأحقاف — آية 9]

﴿ قُل ﴾ يا محمد لقومك ﴿ ما كنْت بدعاً ﴾ مبتدعا عاصفة مشبهة كخف بمعنى خفيف ، وخل بمعنى خليل ، وطب بمعنى طبيب ، وهذا أولى من أن يكون مصدرا مقدار بالوصف أو بمضاف أى ذا بدع ، أو ما كان أمرى بدعا أو مبالغة ، وعليها يكون من باب قوله تعالى : ﴿ وما ربك بظلام للعبيد ﴾ ﴿ مِنَ الرُّسل ﴾ نعت لبدعا ، أى مبتدعا اخرجا عنهم بأن جئت بما لم يجيئوا ، بل ما جئت إلا بالتوحيد الذى جاءوا به ، وبالدعاء اليه كما دعوا اليه ، وباظهار المعجزات كما أظهروها ليس على من المقترحات شىء ، كما أنها ليست عليهم إلا ما خص الله به بعضا ، وكانوا يقترحون عليه كقولهم : ﴿ فأتوا بآبائنا ﴾ فأمره الله أن يقول لهم ما كنت بدعا من الرسل .

﴿ وما أدرى ما يُفْعل بى ولا بكُم ﴾ فى الدنيا والآخرة على التفصيل الكلى ، وأما اجملا فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فى الجنة ، والكفرة فى النار ، وأن الكل سيموت واما أن يعمل متى يموت أو يموتون ، أو كم أنفاسه أو أنفاسهم أو رزقه أو رزقهم ، وسائر ما كتب له ولهم ، فلا ومن ذلك أن يعلم أنه أيقتل أم لا أو يخرج الى أرض ماء أن نخل رفعت له فى المنام ، أم لا وكذا هم ، ولا يعلم أنهم مقضى عليهم بالكفر الى أن يموتوا أو بالايمان بعد او يقذفون بالحجارة أو يخسف بهم ، ولا يعلم الا ما أخبره الله عز وجل به ، مثل : ان ربك أحاط بالناس أى لا يقتلونك ، وهو الذى أرسل رسوله بالهدى الخ ، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وقال له أصحابه وقد ضجروا : الى متى نكون هكذا فقال لعلى اخرج الى أرض ذات مخل وأشجار رأيتها فى المنام ، وقال الله عز وجل : ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ﴾ الخ فقالوا هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا فنزل : ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا ﴾ وعن ابن عباس : ما يفعل بى ولا بكم فى الآخرة ، فالآية قبل نزول قوله تعالى : ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم ﴾ الخ وما مات الرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علم أن الله غفر له ، وأنه من أهل الجنة .

وذكر الضحاك أن المراد ما أدرى ما أو مر به ، ولا ما تؤمرون به فى التكاليف والشرائع ، والجهاد والابتلاء ، واختار بعض المحققين أن نفى الدارية من غير جهة الوحى تفصيلية أو اجمالية دنيوية أو أخروية أى لا أدرى الا بالوحى ، وأنه ما مات حتى أوتى من العلم بالله تعالى وأفعاله وصفاته ، وأشياء يعد العلم بها كما لا ما لم يؤته غيره من العالمين ، لما مات عثمان بن مظعون رضى الله عنه ، قالت أم العلاء : أشهد أن الله أكرمك طب نفسا أنك فى الجنة فقال صلى الله عليه وسلم مغضباً :

« ما يدريك والله ، ما أدرى وأنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يفعل بى ولا بكم » فقالت : يا رسول الله صاحبك وفارسك ، فقال : « أجل وأنا ما رأينا الاخيرا وأرجوا له رحمة الله تعالى ، وأخاف عليه ذنبه » قال ابن عباس : ذلك قبل أن ينزل ﴿ ليغفر لك الله ﴾ الخ فقالت ، والله لا أزكى بعده أحدا .

وما استفهامية مبتدأ مخبرعنه بالجملة بعده ، والمجموع سد مسد مفعولى أدرى علق بالاستفهام ، أو موصولة ، فالجملة بعدها مفعول به لأدرى متعديا لواحد مثل أعرف ، وهذا غير معروف ، وأعيدت لا مع أنه لا ايهام بدونها لتأكيد انفراد كل بما يفعل به ، عن انس وقتادة وعكرمة ، والحسن بالبصرى : لما نزلت الآية قال المشركون وفرحوا : واللات والعزى أمرنا وأمر محمد واحد ، ولو كان ما يقول من الله تعالى لفضلة وأخبره بما يفعل به ، فنزل : ﴿ ليغفر لك الله ﴾ الخ ، فقال المسلمون : هنيئا لك فما لنا ، فنزل : ﴿ ليدخل المؤمنين ﴾ الخ ﴿ وبشر المؤمنين بأن ﴾ الخ هذا قبل أن ينزل عليه فى الحديبية غفران ذنبه ، وفى البخارى : قسم الأنصار المهاجرين فناب أهل بيت أم العلاء عثمان بن مظعون ، وهى ممن بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومات بمرض ، وقالت : أكرمك الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : « ما يدريك؟ » قالت : فمن يكرمه غير الله تعالى ، قال : « أرجوا له » والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بى « قالت : والله لا أزكى بعده أحدا يا رسول الله ، ورأت له فى النوم عينا تجرى ، فقال لها صلى الله عليه وسلم : » ذلك عمله « .

وعن ابن عباس : ضايق المشركون على المؤمنين فقالوا : نخرج الى الأرض التى رأيت ، قال : » لا أدرى أنخرج اليها ، ولا أدرى أأخرج كما أخرج الأنبياء أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء ، ولا أدرى أتخرجون معى أم لا أيها المؤمنون ولا أدرى ما يفعل بكم أيها المجرمون أترجمون من السماء أم يخسف بكم أو يفعل بكم غير ذلك مما فعل بمن قبلكم ، ولا أدرى من الغالب « وجاء بعد ذلك : » هو الذى أرسل رسوله بالهدى « الخ ﴿ وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ﴾ ﴿ إن أتبعُ إلا ما يُوحى إلىَّ ﴾ قولا وفعلا أو اعتقادا لا قدرة لى على ما تقترحونه ، وكانوا يقترحون عليه أمورا وعلما بالغيب ، وكان المسلمون يستعجلون الخلاص من أذى المشركين ، فالآية فى ذلك كله ، والأولى اختصاصها باقتراح الكفرة المذكور لقوله عز وجل : ﴿ وما أنا إلا نَذيرٌ ﴾ بكم بعقاب الله عز وجل ، بحسب ما يوحى الى ﴿ مُينٌ ﴾ ظاهر بالمعجزات ، أو مظهر للحق .

٤٬٥١٩ / ٦٬٢٣٦