فَإِذَا لَقِیتُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّوا۟ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَاۤءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ یَشَاۤءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّیَبۡلُوَا۟ بَعۡضَكُم بِبَعۡضࣲۗ وَٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَلَن یُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ٤
الرسم الإملائيّ
فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ
الجزء ٢٦الربع ٢٠٢ صفحة ٥٠٧
تفسيرها
}فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴿ في المحاربة ﴾فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴿ أكثرتم قتلهم، وأغلظتموه؛ من الثخين: وهو الغليظ، ﴾فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴿ فأسروهم واحفظوهم، ﴾فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴿ أي: فإما تمنون منا، أو تفدون فداء، حَتَّى ﴾تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴿ آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها، كالسلاح والكراع، أي: تنقضي الحرب، ولم يبق إلا مسلم أو مسالم؛ والمعنى: حتى (لعله) يترك أهل الحرب شركهم ومعاصيهم، كقوله: ﴾وقاتلوهم حَتَّى لا تكون فتنةٌ﴿ ظاهرة بين ظهراني أهل الإسلام، فإن الباطن لم يضر، إذ لم يتعبدوا به، ﴾ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴿ لانتقم منهم بالاستئصال، ﴾وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ{ ولكن أمركم بالقتال ليبلى المؤمنين بالكافرين، بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم؛ والكافرين بالمؤمنين، بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم، كي يرتدع بعضهم عن الكفر.
}وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴿ أي: جاهدوا، ﴾فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴿ فلن يضيعها. ﴾سَيَهْدِيهِمْ﴿ إلى الثواب؛ أو سيثبت مداومتهم، ﴾وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5)﴿ حالهم في الدارين. ﴾وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6){ قيل: عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها، فعملوا بما استحقوها به؛ وقيل: بين لهم مساكنهم حتى يهتدوا لها، حتى أنه اهتدى إلى منزله ودرجته وزوجته وخدمه.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٩
قوله : ﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى حي فأصابوهم ، فصعد رجل منهم شجرة ملتفّة أغصانها . قال الذي حضر : قطعناها فلا شيء ، ورميناها فلا شيء . قال : فجاءوا بنار فأضرموا بها تلك الشجرة ، فخر الرجل ميتاً . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم [ فتغيّر وجهه تغيراً شديداً ] ثم قال : « إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله ، ولكني بعثت بضرب الأعناق وشدّ الوثاق » .
ذكر الحسن عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أمكنك الله من فلان فأحرقه بالنار » قال : فلما وليت قال : ردوه علي . فرجعت ، فقال : « أمرتك أن أمكنك الله من فلان أن تحرقه بالنار؟ قلت : نعم . قال : إني قلته وأنا غضبان ، إنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله ، فإن قدرت فاضرب عنقه » .
قوله : عز وجل : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ فيها تقديم ، يقول : فإذا لقيتم الذين كفَروا فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها ، أي حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدّجّال ، ويكسر الصّليب ويقتل الخنزير ، وتضع الحرب أوزارها .
ذكروا عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين . ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق من ناوأهم إلى يوم القيامة » .
وتفسير الحسن : ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي : ذنوبها ، أي : شركها . يريد قوله : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ [ البقرة : 193 ] اي : حتى لا يكون شرك . هذا في مشركي العرب . وأما أهل الكتاب فإذا أقرّوا بالجزية قُبِلت منهم وكُفَّ عنهم القتال . كذلك جميع المشركين إلا مشركي العرب ، إلا من كان دخل في أهل الكتاب منهم قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب ، حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية .
قال : ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ وهذا في الأسرى . ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ . لم يكن لهم حين نزلت هذه الآية إذا أخذوا أسيراً إلا أن يفادُوه أو يُمنّوا عليه فيرسلوه . وهي منسوخة؛ نسختها : ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي : عظ بهم من سواهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [ الأنفال : 57 ] . فإن شاء الإمام قتل الأسارى ، وإن شاء جعلهم غنيمة ، وإن شاء أفدى ، وأما المنّ بغير فداء فليس له ذلك . قال بعضهم : لا ينتقم منهم له .
قال : ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء الله لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ يعني بغير قتال؛ يبتلى به المؤمنين والنبي عليه السلام . قال : ﴿ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ﴾ أي : يبتلي بعضكم ببعض .
قال : ﴿ وَالَّذِينَ قَتَلُوا ﴾ وهي تقرأ على وجه آخر : ( قُتِلُوا ) ﴿ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي : فلن يحبط أعمالهم . ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ تفسير الحسن : يحقق لهم الهدى ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ وهي مثل الأولى . ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ .
تفسير مجاهد : إنهم يعرفون منازلهم في الجنة إذا جاءوا إلى الجنة . وتفسير الحسن : يعرفون الجنة بالصفة التي وصفها الله لهم في الدنيا .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٩
﴿ فإِذا لقِيتُم الَّذين كَفَروا ﴾ إذا كان صلاح المؤمنين وفوزهم ، وضلال الكفرة وخسرانهم ، مما يوجب ترتب الأحكام عليهم ، كل بما يليق به ، فاذا لقيتم الكفرة فى المحاربة الى قوله : ﴿ بعضكم ببعض ﴾ ورتب على الفريق الآخر قوله : ﴿ والذين قتلوا ﴾ الخ وبدأ بالذين كفروا ، لأن التكليف يكون بمعاجتهم ، وشأن الخلق ، والدنيا التكليف ، وباتباعه يحصل الدين والدنيا ، والعبادة ، ودون ذلك ما هو اخبار بالثواب على ذلك ، فأخر ذكر الثواب ، واللقاء والملاقاة ، أو اللقاء المعبر عن الحرب .
﴿ فَضَرب الرقاب ﴾ فاضربوا الرقاب منهم أولهم ، أو رقابهم ضربا ، فذحذف اضربوا ، وأضيف ضرب للمفعول ، ومثل هذا المصدر نائبا عن عامله ، ولم يرد فائدة عليه ، فليس فيه توكيد ولا بيان نوع باضافته إلا بحسب ظاهر اللفظ ، لأنه ترجمة عن نصب المضاف اليه بالعامل المحذوف قبل الحذف ، والتأخير خلافا لمن ادعى التأكيد ، وضرب الرقاب كناية عن القتل مطلقا ، وخصت الأعناق بالذكر لأنه أشنع قتله ، وأسرع للموت ، إذا أطير الرأس ، أو بقى ملصقا بقليل ، مائلا وكأنه غير صورة آدمى ، وفى الرأس مجمع حواس الانسان ، وهكذا ينبغى أن يكون القتل ، وفيه تشجيع المؤمنين الى هذه القتلة بحسب الامكان .
﴿ حتَّى إذا أثْخنْتُموهم ﴾ أفشلتموهم بشدة القتل وكثرته افاشالا ، كاثخان المائع عن الحركة بضبطه فى اناء ، ومنعه عن الحركة ، يقال ثخن المائع أى سكن عن الحركة ﴿ فشدُّوا الوثّاق ﴾ فاربطوا من بقى منهم فى الحبال ، وجوام الحديد ، ربطا شديدا ، والباقى إما مقبوض عليه وهو صحيح ، أو ضعيف بالجروح ، أو ملقى على الأرض لا يستطيع النهوض ، والوثاق ما يربط به أ يحبس به من حبل أو جامعة ﴿ فإمَّا منّاً بعْدُ وإمَّا فداءً ﴾ إما تمنون منا عليهم بعد الشد ، وإما تفادون فداء ، والمفاداة هنا قبول الفداء أو طلبه ، ولا قتل بعد الإثخان ، بل يمن عليهم بالاطلاق أو بالاستعباد ، وترك القتل ، أو بالفداء ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى فى سورة براءة ، وهى آخر ما نزل فى هذا الشأن : ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ وقوله تعالى : ﴿ فإما تثقفنهم فى الحرب فشرد بهم ﴾ الآية ، قال مجاهد : ليس اليوم مَن ولا فداء ، لكن القتل أو الاسلام .
وقيل : آية براءة فى غير الأسرى ، بدليل أنه يجوز الاسترقاق ، قيل : اما الاسلام واما القتل للافداء ، ولا أسر ، وجاء الحديث بما يفيد أن جريح المشركين وهابرهم يتبع فيقتل ، ولو لم يكن له ملجأ ، ولا من يستعينون به ، وان جريح الموحدين الذين حل قتالهم لا يقتل ، وهاربهم لا يتبع ، ان لم يكن له ملجأ ، وقيل : المن والفداء فى أسرى بدر فقط ، وان الآية فيهم ، وأما غير بدر فلا فداء ولا أسر ، بل القتل ، وقل : يجوز الفداء القتل ، وقيل بظاهر الآية اما فداء واما من لا نسخ فى ذلك ، وبه قال الحسن وابن عمر .
كما روى أن الحجاج أتى بأسرى فدفع لابن عمر واحدا يقتله ، وقال : ما أمرنا بهذا وتلى الآية ، ويدل لجواز القتل أنه صلى الله عليه وسلم قتل عقبه بن أبى معيط ، وطعيمة بن عدى ، والنضر بن الحارث بعد القبض عليهم ، ومذهبنا جواز قتل الأسير وهو أولى لدفع شره واسترقاقه ، ومفاداته لأن فيهما نفعا للاسلام ، واطلاقه بحسب رأى الامام ، وعليه الأكثرون ، ومن المن أن يسترق ، ومنه أن يترك على اعطاء الجزية ان كان كتابيا أو مجوسيا ، والقول بالنسخ قول ابن عباس والضحاك ، وقتادة ومجاهد ، ويكان يجمع عليه ، ولكن ان أسلم الأسير أو الجريح لم يقتل ، ويجوز أن يستعبد ، لأن العبد اذا أسلم جاز بيعه وهو باق على العبودية ، واذا جاز استعباده جاز مفاداته ، يتخلص بيها عن الاسترقاق إلا مشركى العرب ، والمرتدين منهم ، فاما أن يسلموا أو يقتلوا ، ولا يقتل الرجل أسيره أو أسير غيره بلا إذن من الامام ، والا عزره الامام ان وقع على خلاف مقصود الامام ، لكن لا ضمان عليه ، إلا إن قتله خوف أن يضره فلا ضمان ولا تعزير ، ومن أسلم قبل الأسر خلى سبيله وهو حر مسلم .
ومن الخطأ الفاحش الذى لا يخفى على العاقل ما نسب ليعقوب المنصور إذ منح الله عز وجل له النصر فى أندلس على أدفنوش وجنوده ، وهزمهم الله هزيمة عظيمة وقتل منهم مائة ألف ، وسر أربعة وعشرين ألفا ، وأطلقهم كلهم ، وأدفنوش من الجلالقة ، وهم المسمون الآن أسبنيول ، ولا يفادى بالأسير مسلم فى رواية عن أبى حنيفة ، لأن فى رد الأسير المشرك اليهم ، فيكون حربا مضرة لجيمع المسلمين ، والصحيح الجواز ، وهو رواية عنه ، وهو قول محمد وأبى يوسف والشافعى ومالك وأحمد ، لحرمة المسلم وتخليصه من أهل الشرك ، وتمكينه من عبادة الله ، ومضرة ذلك المشرك للمسلمين غير لازمة لعلها لا تقع ، وأيضا فدى صلى الله عليه وسلم رجلين مسلمين بأسير كافر كما فى مسلم وأبى داود والترمذى وغيرهم ، عن عمران بن حصين ، وتجوز المفاداة بالنساء على الصحيح ، كما روى أنه صلى الله عليه وسلم أمَّر الصديق رضى الله عنه على غزوة فأعطى من الغنيمة سلمة أمرأة ، فسأله صلى الله عليه وسلم أن يهبها له ، ولم يفعل وقتل : إنها أعجبتنى يا رسول الله ، ما كشفت لها ثوبا ، ولقيه غدا فى السوق فقال : « هبنى امرأة » فقال : هى لك يا رسول اللهن والله ما كشفت لها ثوبا ففدى بها رجالا مسلمين من مكة ، وفى المفاداة بالصبى قولان .
ويجوز فداء مسلم بأسير مسلم ان طابت نفسه وأمن على ايمانه أن لا يرتد ، وقيل : لان ويجوز فداء اسلم بمال لعظم حرمته ، ولا عبرة بما يتوقع من تقوى المشركين بذلك المال ، ولا يحسن اطلاق الأسير المشرك الى أهله بلا عرض ، ولا رجاء مصلحة فى ذلك للاسلام ، وأطلق صلى الله عليه وسلم جماعة من أسرى بدر منهم : أبو العاصى بن أبى الربيع ، وأجاز فداء بنته صلى الله عليه وسلم لأبى العاصى ، وقد كان زوجها بقلادة أعطتها اياها خديجة رضى الله عنهما ، وسألهم صلى الله عليه وسلم أن يطلقوه يردوا لها قلادتها ففعلوا فرحين .
وأطلق صلى الله عليه وسلم تمامة بن أثال بن النعمان ، وأسلم بعد ، كما فى مسلم ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد ، فأتوا بتمامة وهو رجل من بنى حنيفة فربطوه فى المسجد على سارية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما عندك يا تمامة؟ » فقال : خير إن تقتل تقتل ذا دم ، وان تنعم تنعم على شاكر ، وإن أردت المال فلك ما تريد ، وقال له مثل ذلك من الغد ، فأجاب بذلكن وكذا فى الثالث ، وقال : « أطلقوا تمامة » فأطلقوه ، وذهب الى نخل قريب من المسجدن فاغتسل وجاء فقال أشهد ان لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله ، ولا وجه أحب الىَّ من وجهك ، بعد أن كان أبغض الأديان الى ، ولا بلد أحب الى من بلدك بعد أن كان أبغض البلاد الى رسول الله أخذتنى خيلك ، وأنا أريد العمرة ، فأمره أن يعتمر فقال له أهل مكة : أصبوت؟ فقال : لا بل أسلمت ، والله لا يأتيكم حبة حنطة من اليمامة حتى يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، اسرت ثقيف مسلمين وفداهما صلى الله عليه بكافرين ، وقال صلى الله عليه وسلم : « لو كان مطعم بن عدى حيا وسئلت اطلاقه لفعلت » فهذه اجازة للاطلاق بلا عوض ، ويجوز الفداء ولو بعد قسمة .
﴿ حتى تضَع الحربُ أوْزارها ﴾ حتى تنقضى الحرب ، وحتى فيها غاية راجعة الى ضرب الرقاب ، أو إلى الشد أو الى المن والفداء أو اليهما أو الى الكل بمعنى امتداد ضرب الرقاب وشد الوثاق والمن أو الفداء ، أو إليهما أو الى الكل بمعنى امتداد ضرب الرقاب ، وشد الوثاق ، والمن والفداء ، جاز حتى تزول شوكة المشركين ، أو ينزل عيسى عليه السلام ، ويخرج يأجوج ومأجوج ، قال رجل : يا رسول الله ان الخيل سيبت ، ووضع السلاح ، وزعموا أن قد وضعت الحرب أوزارها ، فقال صلى الله عليه وسلم : « كذبوا فالآن جاء القتال ولا تزال طائفة من أمتى يقاتلون فى معقودا فى نواصيها الخير حتى تقوم الساعة ، ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج » وأل للجنس ، وان جعلنا الحرب حرب بدر فأل للعهد ، وأوزار الحرب آلاتها من السلاح وغيره ، وأصل الوزر الحمل أو الثقل استعير لآلات الحرب ، أو شبه الحرب بانسان حامل لشىء ثقيل ، ورمز لذلك باثبات ما هو ثقيل على التخييل أو ذلك استعارة تمثيلية ، واضيفت الأوزار للحرب تجوزا فى النسبة الاضافية ، وفى ذلك تغليب على حيوان الحرب كالخيل ، وما يحتاج اليه فيها من الابل وغيرها ، وقيل : حتى يضع أهل الحرب أوزارها أى أسلحتها .
وقيل : الحرب اسم جمع مثل الركب ، أى المحاربون المسلمون ، وقيل المحاربون المشركون ، وأوزارهم ذنوبهم ، ووضعها تركها بالتوبة والايمان ، وذلك ضعيف ، يضعف ما قيل : ان الأوزار الشرك والمعاصى ، وتضع تترك ، واسناد الترك اليها مجازا ، ويقدر مضاف أى أى حتى يضع أهل الحرب أوزارها ، والمعنى حتى تضع حربكم أوزار المشركين ، بأن يسلموا أويسالموا ، ووجه الضعف أنه لا يحسن اضافة الذنوب الى الحرب .
﴿ ذلَك ﴾ المذكور من ضرب الرقاب ، وشد الوثاق ، والمن والفداء الاثخان ، خبر لمحذوف أى الأمر ذلك ، أو مفعول أى ألزموا ذلك ، فان الحكمة او المشيئة اقتضت تكليفهم به ﴿ ولو يشاء الله ﴾ الانتصار لكم بلا قتال ﴿ لا نْتَصر ﴾ انتقم لكم ﴿ منْهُم ﴾ بخسف أو رجفة أو غرق أو موت جارف ﴿ ولكِن ليَبْلوا ﴾ أى أمركم بالقتال ليبلوا ﴿ بعضَكُم ببعضٍ ﴾ يبلو المؤمنين بجهاد الكافرين لنيل الأجر ، والكافرين بالمؤمنين ليقتلهم انتقما بهم ، وليتعظ بعض ، ويرتدع آخرون .
﴿ والَّذين قُتلِوا فى سَبِيل الله ﴾ الكفار أراد العموم ، فالذين كاسم الشرط ، ولذا قرن خبره بالفاء كما قال : ﴿ فَلَنْ يُضل أعمالهم ﴾ لن يضيعها ، بل يثيبهم عليها ، وهى قتالهم وسائر أعمالهم الصالحات ، والمراد اعتبارها ، وأن لا يتركها ، وأما نفس الثواب فقد ذكره بعد ، وذلك بالعموم أولا وبالذات ، مننزلت فيهم إذ نزلت فى يوم أحد ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب ، وقد فشت فيهم الجراحات والقتل ، حتى : قل : انه قتل من المسلمين سبعون ، وأسر سبعون ، كما فعل بهم المسلمون يوم بدر ، ونادوا على هبل ، ونادى المسلمون : الله عزى لكم ، أرادوا بذكرها تغييظ المسلمين ، والاشعار بالثبات على الكفر ، والتلويح بأنها نصرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الله مولانا ولا مولى لكم قتلانا أحياء مرزوقون وقتلاكم فى النار يعذبون فالقتلى مختلفة » رواه الطبرى وغيره .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٤٩