سورة محمد
الجزء محمد · صفحة ٠قوله : ﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ . ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى حي فأصابوهم ، فصعد رجل منهم شجرة ملتفّة أغصانها . قال الذي حضر : قطعناها فلا شيء ، ورميناها فلا شيء . قال : فجاءوا بنار فأضرموا بها تلك الشجرة ، فخر الرجل ميتاً . فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم [ فتغيّر وجهه تغيراً شديداً ] ثم قال : « إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله ، ولكني بعثت بضرب الأعناق وشدّ الوثاق » .
ذكر الحسن عن معاذ بن جبل قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أمكنك الله من فلان فأحرقه بالنار » قال : فلما وليت قال : ردوه علي . فرجعت ، فقال : « أمرتك أن أمكنك الله من فلان أن تحرقه بالنار؟ قلت : نعم . قال : إني قلته وأنا غضبان ، إنه ليس لأحد أن يعذب بعذاب الله ، فإن قدرت فاضرب عنقه » .
قوله : عز وجل : ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ فيها تقديم ، يقول : فإذا لقيتم الذين كفَروا فضرب الرّقاب حتى تضع الحرب أوزارها ، أي حتى ينزل عيسى بن مريم فيقتل الدّجّال ، ويكسر الصّليب ويقتل الخنزير ، وتضع الحرب أوزارها .
ذكروا عن معاوية قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدين . ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق من ناوأهم إلى يوم القيامة » .
وتفسير الحسن : ﴿ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ أي : ذنوبها ، أي : شركها . يريد قوله : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ [ البقرة : 193 ] اي : حتى لا يكون شرك . هذا في مشركي العرب . وأما أهل الكتاب فإذا أقرّوا بالجزية قُبِلت منهم وكُفَّ عنهم القتال . كذلك جميع المشركين إلا مشركي العرب ، إلا من كان دخل في أهل الكتاب منهم قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب ، حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية .
قال : ﴿ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ ﴾ وهذا في الأسرى . ﴿ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء ﴾ . لم يكن لهم حين نزلت هذه الآية إذا أخذوا أسيراً إلا أن يفادُوه أو يُمنّوا عليه فيرسلوه . وهي منسوخة؛ نسختها : ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ ﴾ أي : عظ بهم من سواهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [ الأنفال : 57 ] . فإن شاء الإمام قتل الأسارى ، وإن شاء جعلهم غنيمة ، وإن شاء أفدى ، وأما المنّ بغير فداء فليس له ذلك . قال بعضهم : لا ينتقم منهم له .
قال : ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء الله لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ ﴾ يعني بغير قتال؛ يبتلى به المؤمنين والنبي عليه السلام . قال : ﴿ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ﴾ أي : يبتلي بعضكم ببعض .
قال : ﴿ وَالَّذِينَ قَتَلُوا ﴾ وهي تقرأ على وجه آخر : ( قُتِلُوا ) ﴿ فِي سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ أي : فلن يحبط أعمالهم . ﴿ سَيَهْدِيهِمْ ﴾ تفسير الحسن : يحقق لهم الهدى ﴿ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ وهي مثل الأولى . ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ .
تفسير مجاهد : إنهم يعرفون منازلهم في الجنة إذا جاءوا إلى الجنة . وتفسير الحسن : يعرفون الجنة بالصفة التي وصفها الله لهم في الدنيا .