سورة الفتح · الآية ٢ من ٢٩

‹ السورة السابقة
لِّیَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَیُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَیۡكَ وَیَهۡدِیَكَ صِرَٰطࣰا مُّسۡتَقِیمࣰا٢
الرسم الإملائيّ

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا

الجزء ٢٦الربع ٢٠٤ صفحة ٥١١

تفسيرها

[سورة الفتح — آية 2]

}إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴿ علة للفتح من حيث إنه سبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين، وإزاحة الشرك، وتكميل النفوس الناقصة، ﴾مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴿ لأن النعمة لا تتم إلا بغفران الذنـوب، ﴾وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2)﴿ ليبلغـك إلى مـحل إتمام النعـمة. ﴾وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3){ نصرا معضودا بالعز والنفع.

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٥

[سورة الفتح — آية 2]

تفسير سورة الفتح ، وهي مدنية كلها

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قوله : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ﴾ قال بعضهم : هو فتح مكة . وقال الكلبي : هو فتح يوم الحديبية . ظهر فيه نبي الله على المشركين بعد حبس الهدي أن يبلغ مَحلّه ، وظهر عليهم المسلمون حتى دخلوا دورهم وسأل المشركون الصلح . وتفسير هذا الظهور بعد هذا الموضع . وتفسير مجاهد : إنه نحره بالحديبية وحلقه رأسه .

ذكروا عن أنس بن مالك أن هذه الآية ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ نزلت على النبي عليه السلام مرجعَه من الحديبية ، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة ، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ، ونحروا الهدي بالحديبية ، فقال : لقد نزلت عليّ آية لهي أحَبّ إلي من الدنيا جميعاً . فتلاها عليهم رسول الله فقال رجل من القوم : هنيئاً مريئاً لك يا رسول الله ، لقد بيّن الله لنا ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا . فأنزل الله ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ . . . إلى آخر الآية .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٥

[سورة الفتح — آية 2]

﴿ ليغْفر لك الله ما تَقَدم من ذَنْبك وما تأخَّر ﴾ وللمؤمنين مذهبنا ومذهب الأشعرية والمعتزلة ، وأكثر الفقهاء أن أفعال الله لا تعلل بالأغراض ، لأنه عز وجل وتبارك وتعالى لا يحتاج الى شىء ، وقادر على فعل ما يشاء بغير شىء ، لكن ان أريد بالأغراض الحكم ومصالح الخلق صح تعليلها بالأغراض ، وعلى المنع ، فاللام للعاقبة حيث توهم التعليل بالغرض ، أو يشبه مدخلها بالعلة الغاية فى الترتيب على متعلقها الذى هو هنا الفتح الذى له صلى الله عليه وسلم فيه ، سعى لاعلاء كلمة الله سبحانه ، بمكابدة الحروب .

وقال متقدموا الأشعرية : تعلل بالأعراض لا بمعنى الاحتياج ، ولا بأس به ، وهو ظاهر الكلام ، قال بعض الحققين : وجد التعليل فيما يزيد على عشر آلالف آية وحديث ، وتأويل الكثير لا يحسن ، وقال السعد : مرا الأشاعرة ومن معهم من المعتزلة عموم السلب بمعنى لا فاعل له تعالى يعلل بالغرض فى بعض أدلتهم ، وافاد بعضها سلب العموم ، أى ليست كلها تعلل بالأغراض ، بل بعضها ، واختار أن بعض أفعاله تعلل بها .

قال : والحق أن بعض أفعاله بالحكم والمصالح ، وذلك ظاهر ، والنصوص شاهدة به ، فأما تعميم أن كل فعل له تعالى لا يخلو من غرض ، فمحل بحث ، ويجاب بأن المراد لا يخلو عن حكمة ، وكثيرا ما يكون التعليل فى الثانى لا فى الأول ، كقوله تعالى : ﴿ أن تضل احدهما فتذكر احداهما الأخرى ﴾ فانه فى التذكير ، ونحو : أعددت الخشبة ليميل الحائط فأدعمه ، والتعليل أدعمه ، ويكون فى الأول لا فى الثانى نحو : لازمت غريمى لأستوفى حقى وأخليه ، والتعليل فى الاستيفاء ، وقد يكون بمجموعهما ، واذا كان فى بعض فقط فالبعض الآخر لشدة الارتباط ، وتقديم بيان تعليل الفتح بالمغفرة .

وقد يقال : المراد بالتعليل قوله عز وجل : ﴿ وينصرك الله نصرا عزيزا ﴾ وقيل : التعليل للمجموع ، فهو للهيئة الاجتماعية ، ومدخول اللام علة ، ومتعلقها معلول بحسب التعقل ، وعلة بحسب الوجود ، وتقديم فتحا على ليغفر آت على الأصل من تقديم المفعول المطلق على سائر المعمولات ، فقدم ما قدم على طريق الاهتمام بالمتقدم والتشويق ، الى المتأخر ، ومر ذنوب الأنبياء ترك ما هو أولى ، والاقتصار على جائز لهم دونه ، وقيل : المؤخذة كناية عن عدم المؤاخذة ، وفيه أن عدمها مشعر بالعفو ، والعفو انما هو عن نحو ذنب أو عن ذنب .

وقيل : ليغفر لك استعارة تمثيلية ، وقيل : ما تقدم فى الجاهلية وما تأخر فى الاسلام ، وفيه أنه لا جاهلية له ، ويجاب بأن المراد ما قبل الوحى ، ولو فى أدنى شىء ، وقد مر الكلام على ذنبه فى الإسلام ما هو ، وقيل ما تقدم من حديث تحريمه مارية ، وما تأخر من حديث امرأة زيد ، ولا يصح ذلك ، مع ان العكس أولى لتقدم حديث امرأة زيد ، ولما نزلت الآية صام وصلى حتى انتفخت قدماه ، وتعبد حتى صار كالشن البالى ، فقالت له عائشة رضى الله عنها : أتفقل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال : أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال :

« أفلا أكون عبداً شكور » وقال عطاء الخراسانى : ما تقدم من ذنوب أبويك آدم وحواء ببركتك ، وما تأخر من ذنوب أمتك بدعائك لهم ، وقال النووى : ما تقدم قبل النبوة ، أى مما يعد ذنبا فى حق الأنباء ، وقيل من الصغائر على أنها تصدر من الأنبياء وهو ضعيف ، وما تأخر مما لم يكن ، وذلك تأكيد كقولك : اقتل من العدو من لقيت ومن لم تلق ، وأعط من لقيت ومن لم تلق ، وعبارة بعض أن الفتح لم يجعل سببا للمغفرة ، بل لاجتماع المغفرة واتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز ، ولما نزل أول السورة الى : « عزيزا » قالت الصحابة : هنيئا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل : ﴿ ليدخل المؤمنين ﴾ الى : ﴿ فوزا عظيما ﴾ ﴿ ويتم نعْمته عليْك ﴾ دينية ودنيوية ، ومنها وهو أعلاها : إعلاء الدين ونشره فى البلاد ﴿ ويَهْديك صراطاً مُسْتقيماً ﴾ بزيادة ما لم يكن قبل ، وتقوية ما كان قبل .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٥٨٥