یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَیۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن یَبۡسُطُوۤا۟ إِلَیۡكُمۡ أَیۡدِیَهُمۡ فَكَفَّ أَیۡدِیَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ١١
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
الجزء ٦الربع ٤٣ صفحة ١٠٩
تفسيرها
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ بالقتل ، يقال : بسط إليه لسانه إذا شتمه ، وبسط إليه يده إذا بطش به ، ( ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) ؛ ﴿ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ﴾ وذلك يذكرهم الله نعمته ليطيعوه ويتقوه ، كما قال : ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ واجب ذكر نعم الله في كل شيء ، وهذه النعمة من أخص ما أنعم الله بها على عباده ، إذ لو خلىَّ الله الخلق واختيارهم في بعضهم بعض ، من البغي والضر في دينهم وأنفسهم وأموالهم وأمر معاشهم لما انتظم أمر العالم ، وما بقي على ظهر الأرض من دابَّة ، ولبطلت الحكمة في إيجاد خلقه لغير معنى ، ولكن الله رحيم بخلقه ، قد تفضَّل عليهم برأفته ورحمته ؛ ولو سلَّط الله على ابن آدم بعوضه ، أو أصغر منها جرما ، لأهلكته في أسرع حال .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٠
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَاتَّقُوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ .
قال الحسن : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل محاصراً غطفان ، وهو متقلد سيفه؛ فجاءه رجل كانت قريش بعثته ليفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد أرني سيفك هذا حتى أنظر إليه ، فقال : « هاكه » فأخذه فجعل ينظر إلى السيف مرة وإلى رسول الله مرة ، فقال : يا محمد ، أما تخافني؟ قال : « لا » .
وقال بعضهم : ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله وهو بنخل في الغزوة السابعة فأراد بنو تغلب وبنو محارب أن يفتكوا به ، فأطلعه الله على ذلك . وذكر لنا أن رجلاً انتدب لقتله ، فأتى نبيَّ الله وسيفه موضوع ، فقال : آخذه؟ قال : « خذه » قال : أسلّه؟ قال : « سلّه » فلما انتصاه قال : ما يمنعك؟ قال الله يمنعني منك . فتهدده أصحاب النبي وأغلظوا له ، فشام السيف فرده ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل . وأنزلت عليه صلاة الخوف عند ذلك .
ذكر جابر بن عبد الله قال : نزلت صلاة الخوف في الغزوة السابعة .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٠
﴿ يَأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ ﴾ بتعظيمه والدعاءَإِليه وتحبيبه إِلى الخلق وطلب رضاه والائتمار بأَمره والانتهاءِ بنهيه ، والأَمر بالمعروف والنهى عن المنكر . ﴿ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ﴾ العدل ولو على أَنفسكم أَو الوالدين والأَقربين وفى أَهل العاواة مجانبين للزور فقولوا ما عندكم من حق فى أَصدقائكم وأَعدائكم ابتغاء لوجه الله والخلق ، أَما لله كما قال كونوا قوامين لله وأَما للخلق كما قال شهداءَ بالقسط ، وقيل : المعنى دعاة إِلى الله تعالى بالحجج ، وقدم لفظ القسط فى النساءِ لأَنه فيها فى معرض الإِقرار على النفس والوالدين والأَقارب والزجر عن المحاباة وأَخر هنا لأَن ما هنا فى معرض ترك العداوة فبدئ بالقيام لله وتكرت تأَكيدًا لما فيها ، ولأَن الأُولى فى المشركين غير اليهود والعدل معهم وهذه فى المشركين ايهود والعدل معهم . ﴿ وَلاَ يَجْرمَنَّكُمْ ﴾ لا يحملنكم ، ضمن الاكتساب معنى الحمل فعداه بعلى ويجرم قائم مقام يكسب ﴿ شَنآنُ قَوْمٍ ﴾ بغضكم قوماً مشركين أَو بغض قوم مشركين لكم حتى ضروكم ﴿ عَلَى أَن لاَ تَعْدِلُوا ﴾ فيهم فتمثلوا بقتلاهم وتقتلوا النساءَ والصبيان ومن لا يقتل منهم ومن أَسلم منهم وتنقضوا العهد تشفيا ، والآية فى فتح مكة لما فتحت كلف الله المؤمنين أَن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم وأَن يعدلوا فى القول والفعل . ﴿ اعْدِلُوا هُوَ ﴾ أَى العدل المعلوم من اعدلوا كقوله تعالى : ﴿ وإن تشكروا يرضه لكم ﴾ أَى يرضى الشكر . ﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ أَنسب لسائر التقوى وأَجلب لسائر التقوى وإِذا وجب العدل مع الكفار فكيف مع المؤمنين واللام بمعنى من التى يتعدى بها القرب ، أَو بمعنى إِلى ، وأَقرب خارج عن التفضيل بحسب ما يعتقد الجاهل من تقوى فى غير العدل كما هو وجه فى قوله تعالى : ﴿ ءالله خير أَم ما تشركون ﴾ ويحتمل أَن المعنى آلله حسن أَم ما تشركون وغير الحسن قبيح . ﴿ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ فيجازيكم ، وكرر لأَن هذه فى اليهود وتلك فى المشركين ، أَو لتأكيد ترك الغيظ وهذا وعيد كما قال والذين كفروا إِلخ ووعدكما قال :
﴿ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ والوعد وعدا حسناً كما دل له الإِيمان والعمل الصالح وإِلا فوعيد ، يستعمل ولو فى الشر كقوله تعالى : النار وعدها الله ، ويقولون متى هذا الوعد ، ولا مفعول له ثان هنا ولو كان متعيا لاثنين فى الجملة لأَنه لو قدر له التكرر مع قوله عز وجل ﴿ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم ﴿ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ على أعمالهم الصالحات وتوبتهم وهو الجنة ولا يحسن دعوى محذوف مفسر بهذه الجملة مثل وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات شيئاً عظيماً ، وأَما الاشتغال فنوع آخر قام دليله وهو النصب الظاهر أَو المنوى المدلول عليه فى الآية الأَخرى ذكرت فيه الجنة مفعولا ثانياً ، ويجوز تضمين الوعد معنى القول فيكون لهم مغفرة وأَجر عظيم مفعولا للوعد ، وزاد من وعد المؤمنين قوله تعالى :
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾ فإِنه وعيد للكفار فهو تشف للمؤمنين من أَعدائهم أَصحاب الجحيم بمعنى ملآزمو الجحيم كقولك للبدو أَصحاب الصحراءِ ، ويروى أَن النبى صلى الله عليه وسلم وأَصحابه قاموا فى عسفان وهو على مرحلتين من مكة فى غزوة ذى المجاز .
ويقال ذى أنمار إِلى صلاة الظهر جماعة فندم المشركون إِذ لم يكبوا عليهم دفعة واحدة حينَ سجدوا وهموا أَن يفعلوا فى العصر فنزلت صلاة الخوف ، وأَنه أَتى قريظة ومعه الخلفاء الأربعة وغيرهم يستقرضهم لديه مسلمين من كلاب قتلهم عمرو بن أَمية الضمرى يحسبهما مشركين أَى ويضيهم بعد من بيت المال ، فقالوا : نعم اجلس يا أَبا القاسم نطعمك ونقرضك وعمد عمرو بن جحاش إِلى شق رحى يطرحها عليه فأَلصقها الله بيده وجاءَ الوحى بذلك فذهب إِلى المدينة ولم يخبرهم إِذ لو أَخبرهم وذهبوا معه لتعلق بهم اليهود جهارا فيقع القتال ، ولما وصل المدينة ولحقه من معه بعد أَرسل إِلى اليهود : إِنكم قد نقضتم العهد ، ولما هموا بإِلقاءِ الصخرة نهاهم بعضهم فقال إنه يخبره الله عز وجل وعصوه ولما ذهب قال لهم أَلم أَقل لكم يخبره الله عز وجل . روى البخارى ومسلم وغيرهما بدخول حديث بعض فى بعض أَنه صلى الله عليه وسلم نزل منزلا وعلق سلاحه بشجرة وتفرق الناس عنه إِلى أَشجار يستظلون بها فجاءَ أَعرابى فسل سبفه وهو سبف جاءَ به ويروى أَنه سيفه صلى الله عليه وسلم وقد علقه على شجرة نام تحتها فقال : من يمنعك منى . فقال : الله فأَسقطه جبريل من يده فأَخذه صلى الله عليه وسلم فقال : من يمنعك منى . فقال : لا أحد . فقيل قل أَشهد أَن لا إله إِلا الله وأَن محمداً رسول الله ، وفى رواية : من يمنعك منى قال : الله ، أَعادها ثلاثاً فغمده الأَعرابى وجلس بجنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأَخبرهم بفعل الأَعرابى القاعد معه ، وبسطت هذه الروايات كلها فى السير فنزل فيها كلها قوله تعالى .
﴿ يَأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ شامل للنبى صلى الله عليه وسلم وأَيضاً تنجيته نعمة لهم وبالعكس ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُم ﴾ إِنعامه عليكم بالتنجية من القتل ﴿ إِذْ ﴾ يتعلق بنعمة بمعنى إِنعام ﴿ هَمَّ قَوْمُ ﴾ مشركو عسفان وقريظة والأَعرابى ﴿ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكًمْ أَيْدِيَهُمْ ﴾ بالقتل ﴿ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ ﴾ مقتضى الظاهر فكفها وأَظهر لزيادة تقرير ما كف مما يهتم بكفه ﴿ عَنْكُمْ ﴾ لم يضروكم ﴿ وَا تَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ فإِن منه الخير والشر وعلى يتعلق بيتوكل بعده والفاء صلة . نهى الله عز وجل المسلمين أَن ينقضوا الميثاق كما نقض بنو إِسرائيل . قال الشافعى الآية تقرأ سبعاً صباحاً وسبعاً مساءً لدفع الطاعون .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٨٠