سورة المائدة · الآية ١٢ من ١٢٠

‹ السورة السابقة
وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَٰقَ بَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَیۡ عَشَرَ نَقِیبࣰاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّی مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَیۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِی وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنࣰا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَیِّءَاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتࣲ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ١٢
الرسم الإملائيّ

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

الجزء ٦الربع ٤٤ صفحة ١٠٩

تفسيرها

[سورة المائدة — آية 12]

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ النقيب : هو الذي (لعله) المختار من القوم ، وهو [ الذي ] ينقِّب عن أحوال القوم ويفتش عنها ، ﴿ وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ أي : ناصركم ومُعينكم . ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي : نصرتموهم وقويتموهم ، وأصله الذُّب ، ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ قيل : هو كل فعل خير ، ومخالفة النفس عن كل قبيح ، ﴿ لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ صغائر أعمالكم ، ﴿ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ أي : من فعل ذلك جوزي بهذا ؛ ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ ﴾ أي : بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق بالوعد العظيم ؛ ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ ﴾ أخطأ طريق الحق . تعمُّ من كفر قبل ذلك فقد ظل سواء السبيل أيضا ؛ ولكن الضلال بعده أقبح وأعظم ، وسواء كل شيء : وسطه .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨١

[سورة المائدة — آية 12]

قوله : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ذكر بعضهم قال : أي : شاهداً؛ من كل سبط شاهد على قومه .

قال الحسن : ما ضمنوا عنهم من شيء قبلوه من الدين ، فهم ضامنون له قابلوه . وقد جعل رسول الله أيضاً بما أمره الله اثني عشر نقيباً ليلة العقبة . وقال مجاهد : من كل سبط رجلاً ، فأرسلهم موسى إلى الجبّارين .

قوله : ﴿ وَقَالَ الله : إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ على الشرط ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي ونصرتموهم ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي : الصدقة والنفقة في الحق . ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ . وهو كقوله في سورة البقرة : ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [ البقرة : 40 ] وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة .

وتفسير مجاهد : إن موسى أرسل نقيباً من كل سبط إلى الجبارين فوجدوهم يدخل في كُمِّ أحدهم اثنان منهم ، فرجع النقباء كلهم ينهى سبطه عن قتالهم ، إلا يوشع بن نون وطالوت فإنهما أمرا الأسباط بقتال الجبارين ومجاهدتهم ، فعصوهما فتاهت بنو إسرائيل أربعين سنة .

قوله : ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ أي قصد الطريق ، وقال بعضهم : عدل الطريق .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨١

[سورة المائدة — آية 12]

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ ﴾ أَن يقتلوا الجبارين بالشام ويقيموا التوراة بعد غرق فرعون وملكهم مصر ، وأَن أريحاءَ مقر لهم وهذا تحذير للمؤمنين عن النقض وعقابه كما نقض بنو إِسرائيل وعوقبوا وأَخذ الميثاق موسى عليه السلام وأَسند الأَخذ إِلى الله عز وجل لأَنه أَمره به ﴿ وَبَعثْنَا مِنْهُمُ اثْنَى عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ كفيلا من كل سبط وهم خيار لا أنبياء وقيل أَنبياء وقيل أَنبياء بعثوا ليعلموا التوراة الأَسباط ويأمروهم بإِقامة ما فيها ، وعن ابن عباس كانو وزراءَ ثم كانوا أَنبياءَ ينقب عن أَحوالهم وأَسرارهم ويتعرفها ويأْمر بالوفاءِ ، وقيل نقيباً فى أَمر الجهاد وشاهداً ينقب عن أَحوالهم وأَسرارهم وهو بمعنى فاعل ، ويجوز أَن يكون بمعنى مختاراً مفتشاً عنه فهو بمعنى مفعول والنقب التفتيش قال الله تعالى : ﴿ فنقبوا فى البلاد هل من محيص ﴾ واختار موسى من كل سبط نقيباً ولما دنا من أَرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأَخبار ونهاهم أَن يتحدثوا بما رأَوا فرأَوا أَجساماً وبأساً شديداً وتواثقوا أَن لا يخبروا إلا موسى ليستعد فنقضوا ، ولما رجعوا نقضوا وحدثوا قومهم ففسل القوم إِلا كالب بن يوقنا من سبط يهوذا ويوشع بن نون من سبط يوسف فلم يخبرا إِلا موسى عيه السلام وهما الرجلان من الذين يخافون أَنعم الله عليهما ، ولا يصح ما قيل من أَنهم لقوا رجلا اسمه عوج بن عنق من الجبارين ، وأَن طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعاً وأَنه يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قعر البحر فيرفعه إِلى عين الشمس فيشويه فيأَكله وأَن ماءَ الطوفان ما جاوز ركبتيه وقيل كعبيه ، وأَنه عاش ثلاثة آلاف سنة وأَنه قور صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام فرسخاً فى فرسخ فحملها ليطبقها عليهم فأَمر الله الهدهد فقور الصخرة فى عنقه بمنقاره فصرعته فقتله موسى مصروعا ، وأَن أم عتق من بنات آدم عليه السلام وقيل أَنه من عاد وأَن مجلسها جريب من الأَرض وأَنه لقى النقباءَ وعلى رأسه حزمة حطب فجعلهم فيها فنثرهم عند زوجه فقال انظرى إِلى هؤلاء الذين يريدون قتالنا أَلا أَطحنهم برجلى فقالت لا بل دعهم يخبروا قومهم كيف يؤثر حر الشمس فى الحوت حتى يطبخه بمجرد تلك الأَذرع مع أَن أَحط موضع فى الأَرض وأَعلاه فيها سواء فى حرها وكيف يقوى هو على حرها مع أَنها تنضج الحوت فى يده مع أَن حرها منتشر فى الجوانب لا كحر النار بين يدى أَحد ، ونار نمرود مع أَنها محدودة لم يقدروا على القرب منها ، وكيف يخرق طبقات حرارة الجو وطبقات برده وكيف يحتجز بها كما قيل مع أَن غاية ارتفاعها اثنا عشر فرسخاً وستمائة ذراع ، وقال المتقدمون ثمانية عشر فرسخاً وغاية انحطاطها هو أَقل من أَن يحتجز بها اللهم إِلا سحاباً منحطاً جداً لكن يكون أَبعد من أَن ينضج الحوت ، وقد قيل لا حر للشمس وإِنما الحر من انعكاس ضوئها من الأَرض ، وكيف يبقى وينجو من الغرق وهو كافر ، وقد قال الله جل وعلا

﴿ وجعلنا ذريته هم الباقين ﴾ وأَيضاً قالوا عنق أَمة وليس كذلك على ثبوته ، بلى عوج بن عوق وعوق أَبوه كما فى القاموس وأَى جبل هو فرسخ فى فرسخ ﴿ وَقَالَ اللهُ إِنِّى مَعَكُمْ ﴾ بالنصر وبعلم أَحوالكم وجزائكم بأَعمالكم ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ ﴾ خمسين صلاة فيما قيل . ﴿ وآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ﴾ ربع المال ﴿ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِى ﴾ إِيماناً يستلحق العمل والتقوى ، وكانوا يكفرون ببعض الرسل مع أَنهم منهم ﴿ وَعَزَرْتُمُوهُمْ ﴾ نصرتموهم بالسيف واللسان؛ أَو عظمتموهم ، والتعزيز المنع والتقوية وهى منع لمن قويته عن غير ، وهو فى الفقه ما دون الحد لأَنه مانع عن ارتكاب القبيح ، وقيل التعزير النصر مع التعظيم وقيل التعظيم ، وأَخر الإِيمان لتكذيبهم بعض الرسل مع اعترافهم بالصلاة والزكاة ولراعاة المقارنة لقوله وعزرتموهم ، وقيل قدمهما لأَنهما الظاهر من أَحوالهم مع تقدم مطلق إِيمانهم فذكرها كالزجر عن النفاق ، وقيل آمنتم برسلى كناية عن نصرة دين الله تعالى ورسله والإِنفاق عليه ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا ﴾ إِقراضاً مفعول مطلق أَو مالا مفعول به على تضمين أَقرض معنى أَنفق ، وذلك نفل ﴿ حَسَنًا ﴾ بأن يكون بلا من ولا أَذى من حلال غير ودى ويكون مخلصاً لله تنفقونه فى الجهاد وفى وجوه الخير ، وذلك استعارة لأنه تعالى وعد بالجزاء عليه كما يرد مثل ما أقرض . ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ ذنوبكم صغائر وكبائر ﴿ وَلأَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الانْهَار ﴾ فضلا منه وثوابا ﴿ فَمَنْ كَفَرَ ﴾ أَى اتصف بكفر حادث أَو سابق مصر عليه فإِن البقاء عليه بعد ورود منه كالحادث بعد الورود فى القبح وملتحق به ﴿ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ ﴾ من كفر بترك الصلاة والزكاة والإيمان والتعزير والإقراض بعد ذلك المذكور من الأمر بها أَو من كفر بعد ما شرطت هذا الشرط ، ووعدت هذا الوعد وأَنعمت هذا الإِنعام كفر ردة أَو كفر بقاءِ ولا خفاء أَن الضلال بعد هذا أَقبح ولم يقل وإِن كفرتم كما قال لئن أَقمتم لإِخراج كفر الكل عن حيز الاحتمال وإِسقاط من كفر عن رتبة الخطاب الموجود فى قولنا إِن كفرتم ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ﴾ ضلالا لا شبهة فيه ﴿ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ السبيل السواءِ أَى الأَوسط أَى الأَعدل ، وكذلك ضل سواءَ السبيل من كفر بعد ذلك إلا أَنه قد تكون له شبهة فإِن الكفر يزداد عظم قبحه إِذا كان بعد ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٦٨١