قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِینَ یَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمَا ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ٢٣
الرسم الإملائيّ
قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الجزء ٦الربع ٤٤ صفحة ١١١
تفسيرها
﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾ الله ويخشونه ، ﴿ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بالخوف منه : ﴿ ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ لأنهم أجسام لا قلوب فيها ، لأن قلوبهم لمَّا رانت عليها معاصيهم ، لم يكن لها حكم ، والمؤمنون : المتقون لم يجعلوا حكما لأجسامهم ، لأنها خادمة لقلوبهم ؛ فالأجسام تحيي وتقوى بالقلوب إذا أطاعتها ، والقلوب تموت بطاعة الأجسام . ﴿ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه ، وهو قطع العلائق ، وترك الخضوع للخلائق ، إلا ما كان لله .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٢
﴿ قَالُوا ﴾ لموسىعليه السلام ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب ، وهما اللذان قال الله فيهما ﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بمخافتهما الله : نحن أعلم بالقوم من هؤلاء ، إن القوم قد ملئوا منا رعباً . ﴿ ادْخُلُوا عَلَيِْهِمُ البَابَ ﴾ قال مجاهد : باب مدينة الجبارين ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
قال الكلبي : قالوا : يا موسى أيُكذّب منا عشرة ويُصَدّق اثنان؟ ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ . وكان موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء حديداً ف ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ أي : وأخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ يعني قومه .
﴿ قَالَ ﴾ الله لموسى : إذ سميتهم فاسقين : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ فتاهوا أربعين سنة .
قال الكلبي : لما قالوا ﴿ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً ﴾ قال الله : فإنها محرمة عليهم أبداً ، مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة . قال : فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى؛ هلكوا أجمعون في التيه إلا رجلين : يوشع بن نون وكالوب ، وأنزل الله عليهم في تلك الأربعين سنة المن والسلوى وثياباً لا تخرق ولا تدنس ، تشبّ مع الصغير ، وخِفافاً لا تخرق ، فكان لهم ذلك في تيههم حى دخلوا أَريحاً مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء .
وقال بعضهم : ذكر لنا أن يوشع بن نون وكالوب بعثوا اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً عيوناً لهم ليأتوهم بأمر القوم . فأما عشرة فجنبوا وكرهوا الدخول إليهم . وأما يوشع وصاحبه فأمرا بالدخول فاستقاما على أمر الله ورغبا قومهما في ذلك . وقال بعضهم : جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم . قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، إنما يشربون ماء الآبار ، لا يهبطون قرية ولا مصراً ، لا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك .
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ . قال بعضهم : ذكر لنا أنه كان فيها قوم لهم أجسام وَخَلق منكر . قوله : ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾ ، أي حتى يخرج الجبارون منها ، ﴿ فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ، أي فإذا دخلتم باب مدينة الجبارين فإنكم غالبون . ﴿ وَعَلَى الله فتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .
قال الحسن : قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أبداً في الإِضمار ، ثم قال : ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ . أربعين سنة كانوا يرتحلون من المنزل فيسيرون يومهم وليلتهم ، ثم يصبحون حيث ارتحلوا ، أربعين سنة عذاباً عذّبهم الله بدعوة موسى .
قال مجاهد : كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ، وفي تيههم ذلك ضرب لهم موسى الحجر . قال الله : ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ .
ذكر لنا أنه كان طول موسى سبعة أذرع ، وطول عصاه سبعة أذرع ، ووثب من الأرض سبعة أذرع فأصاب كعب ذلك الجبار الذي قتل . وذلك أنه بلغنا أنه أشرف على عسكرهم يريدهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٢
﴿ قَالَ رَجُلانِ ﴾ يوشع وكالب وقيل رجلان أسلما من الجبارين وتبعا موسى عليه السلام ولا يلزم من هذا أَن يكون الكلام موهما أَن يوشع ويوقنا من أَهل السوءِ لأَن عدم ذكرهما بالقول لا يوجب أَنهما لم يقولاه أَو لم يرضياه . ﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ ﴾ الله ويتقون من بنى إِسرائيل أَو من الخائفين للجبارين عصيا خوفهما وأَطاعا الله ، أَو هما من الخائفين نسبا لاخوفا والرابط الواو ، وعلى أَن الرجلين من الجبارين الرابط محذوف والواو لبنى إِسرائيل كالأَول أَى من الذين يخافهم بنو إِسرائيل ، وعليه يلزم إِبراز الضمير منفصلا على مذهب البصريين إِذ جرت الصلة على غير ماهى له ، وكذا فى الخبر والحال والنعت ، ولم ينفصل هنا ولست أَقول به لورود السماع بخلافة عند أَمن اللبس ﴿ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ﴾ وهما يوشع بن نون من سبط إفرائيم وكالب بن يوقنا من سبط يهوذا وهو ختن موسى - بالقاءِ على الإِيمان والتقوى وميثاق كتم حال الجبارين ، أو من أَسلما من الجبارين أَنعم الله عليهما بالإِيمان والتقوى ، والجملة نعت ثان لرجلان أَو حال له أَو من ضمير الاستقرار فى من الذين أَو معترضة للمدح لهم وللاستدلال على صحة قولهم إِذ كانا ممن أَنعم الله عليهما ولبيان أَن من لم يكن على ما كانا عليه ليس فى شىءٍ من دين الله بين قال ومقوله وهو ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ ﴾ قدم على المفعول به الصريح لأَن المراد الدخول وهم فيها ﴿ البَابَ ﴾ باب قريتهم مباغتة ومضايقة قبل أَن يخرجوا إِلى الصحراءِ فإِنهم لا يجدون فيها ما يجدون من الكر فى الصحراءِ ﴿ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ ﴾ لتعسر الكر عليهم فى المضيق لعظم أَجسامهم فهم كانسان عظيم الجسم فى مكان ضيق فيه عقارب وثعابين ، ولأَنهم أَجسام بلا قوة قلب ولقوله تعالى كتب الله لكم ولأَن الله ينصر رسله ، ولجريان قهر موسى لأَعدائه فى وقائع ، ولإِخبار موسى عليه السلام بالغلبة وبضعف قلوبهم ﴿ وَعَلَى اللهِ ﴾ لا على غيره ﴿ فَتَوَكَّلُوا ﴾ بعد الأَسباب إِذ لا تأْثير لها إِلا بالله لأَنه خالقها وخالق نفعها ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ مصدقين بوعده أَو مؤمنين الإِيمان التام الشامل للتصديق بوعده ، لا تخافوا عظم أَجسامهم مع وعد الله ورسوله بالنصر لكم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٢