قَالُوا۟ یَٰمُوسَىٰۤ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَاۤ أَبَدࣰا مَّا دَامُوا۟ فِیهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَاۤ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ٢٤
الرسم الإملائيّ
قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ
الجزء ٦الربع ٤٤ صفحة ١١٢
تفسيرها
﴿ قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ مخالفة لأمره .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٣
﴿ قَالُوا ﴾ لموسىعليه السلام ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ ﴾ أحدهما يوشع بن نون والآخر كالب ، وهما اللذان قال الله فيهما ﴿ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ﴾ بمخافتهما الله : نحن أعلم بالقوم من هؤلاء ، إن القوم قد ملئوا منا رعباً . ﴿ ادْخُلُوا عَلَيِْهِمُ البَابَ ﴾ قال مجاهد : باب مدينة الجبارين ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
قال الكلبي : قالوا : يا موسى أيُكذّب منا عشرة ويُصَدّق اثنان؟ ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ . وكان موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء حديداً ف ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي ﴾ أي : وأخي لا يملك إلا نفسه ﴿ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ يعني قومه .
﴿ قَالَ ﴾ الله لموسى : إذ سميتهم فاسقين : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ ﴾ أي فلا تحزن ﴿ عَلَى الْقَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ فتاهوا أربعين سنة .
قال الكلبي : لما قالوا ﴿ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً ﴾ قال الله : فإنها محرمة عليهم أبداً ، مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة . قال : فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى؛ هلكوا أجمعون في التيه إلا رجلين : يوشع بن نون وكالوب ، وأنزل الله عليهم في تلك الأربعين سنة المن والسلوى وثياباً لا تخرق ولا تدنس ، تشبّ مع الصغير ، وخِفافاً لا تخرق ، فكان لهم ذلك في تيههم حى دخلوا أَريحاً مع يوشع بن نون بعد وفاة موسى صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء .
وقال بعضهم : ذكر لنا أن يوشع بن نون وكالوب بعثوا اثني عشر رجلاً من كل سبط رجلاً عيوناً لهم ليأتوهم بأمر القوم . فأما عشرة فجنبوا وكرهوا الدخول إليهم . وأما يوشع وصاحبه فأمرا بالدخول فاستقاما على أمر الله ورغبا قومهما في ذلك . وقال بعضهم : جبن القوم عن عدوهم وتركوا أمر ربهم . قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ، إنما يشربون ماء الآبار ، لا يهبطون قرية ولا مصراً ، لا يهتدون لها ولا يقدرون على ذلك .
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ ﴾ . قال بعضهم : ذكر لنا أنه كان فيها قوم لهم أجسام وَخَلق منكر . قوله : ﴿ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾ ، أي حتى يخرج الجبارون منها ، ﴿ فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ، أي فإذا دخلتم باب مدينة الجبارين فإنكم غالبون . ﴿ وَعَلَى الله فتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ .
قال الحسن : قال الله : ﴿ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ﴾ أبداً في الإِضمار ، ثم قال : ﴿ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ ﴾ . أربعين سنة كانوا يرتحلون من المنزل فيسيرون يومهم وليلتهم ، ثم يصبحون حيث ارتحلوا ، أربعين سنة عذاباً عذّبهم الله بدعوة موسى .
قال مجاهد : كانوا يصبحون حيث أمسوا ويمسون حيث أصبحوا ، وفي تيههم ذلك ضرب لهم موسى الحجر . قال الله : ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ ﴾ .
ذكر لنا أنه كان طول موسى سبعة أذرع ، وطول عصاه سبعة أذرع ، ووثب من الأرض سبعة أذرع فأصاب كعب ذلك الجبار الذي قتل . وذلك أنه بلغنا أنه أشرف على عسكرهم يريدهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٣
﴿ قَالُوا يَا مُوسَى ﴾ نادوه باسمه لفظاظتهم ولو جاز فى عرفهم وكرروه وكأَنه فى مرتبتهم غير نبى ﴿ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا ﴾ مدة دوامهم بعض من الأَبد ولا يحتاج لرابط لظهور المراد أَو بدل إِضراب أَو عطف بيان ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ ﴾ استهانة بالله ورسوله ، إِذ قالا لهم قاتلوا ولم يقبلو وزادوا فى الرد أَنهم قالوا قاتلا أَنتما ، والله جل وعلا متنزه عن الذهاب والحركة والسكون والقتال وزالتحيز ، وما قدروا الله حق قدره ، وذلك من صفات الأَجسام واليهود مجسمة إِلا من أَخلص إِيمانه ، وهؤلاءِ إِما مجسمة وإِما متجاهلون بحال غضب ولو صاحبوا رسول الله سنين ، وقيل أَرادوا بالذهاب الإِرادة أَى أريد أَنت وربك كما يقول ذهب يقول بمعنى أَراد القول ، ولم يذكروا هارون والرجلين اكتفاءً بما هو أَعظم وهو موسى وبالله الأَعظم ، وفى تفسير القتال بحقيقته فى حق موسى والإِعانة فى حق الله جمع بين الحقيقة والمجاز ، وقيل أَرادوا ربك هارون لأَنه أَكبر منه بسنة ولا يكفى تقدير وربك يعينك مع قولهم فقاتلا ، وفى كلامهم جمع الله ورسوله فى ضمير وهو لا يجوز ولو كان فيما يفعل الله أَو يوصف به . أَخرج مسلم وأَبو داود والنسائى عن عدى بن حاتم أَن رجلا خطب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بئس خطيب القوم أَنت قل : ومن يعص الله ورسوله » ، ولعله يجوز ذلك إِذا كان ما لله أَو لرسوله لا ستقل كحديث البخارى ومسلم والترمذى والنسائى عن أَنس : « ثلاث من فيه وجد بهن طعم الإِيمان : ومن كان الله ورسوله أَحب إِليه مما سواهما . . » إِلخ . وقيل يجوز ذلك من الله ومن معصوم عن توهم النقص ، وقيل لا بأَس بذلك وإِنما ذم الخطيب لأَنه وقف على يعصهما سكته ، وقيل لا يجوز إِذا كان فى جملتين ويجوز فى جملة كقوله تعالى : ﴿ إِن الله وملائكته يصلون على النبى ﴾ وقيل جاز فى الآية لأَنه تشريف الملائكة ، أَو يقدر أَن الله يصلى فجمع الله تعالى وغيره فى ضمير مكروه أَو محرم إلا ما ورد فى القرآن أَو الحديث أَو محرم حيث تكون الشبهة لا الآن ، أَقوال ، ويأْتى بعض كلام فى سورة الكهف ﴿ إِنَّ هَا هُنَا قَاعِدُونَ ﴾ لابثون عن القتال لا نذهب معك ، وليس المراد خصوص القعود بل يقعدون ويقومون ويضجعون ويذهبون حيث شاءُوا .
افتحه في القارئ · صفحة ٦٩٣