یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَن یَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَسَوۡفَ یَأۡتِی ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ یُحِبُّهُمۡ وَیُحِبُّونَهُۥۤ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِینَ یُجَٰهِدُونَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا یَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَاۤئِمࣲۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ یُؤۡتِیهِ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِیمٌ٥٤
الرسم الإملائيّ
يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
الجزء ٦الربع ٤٧ صفحة ١١٧
تفسيرها
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ ﴾ من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى دين الكفر ، ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ تقديره : فسوف يأتي الله بقوم مكانهم ؛ ومحبة الله لعبده أصل محبة له ، وكأن الله تعالى وعد أن يخلف مكان من يرتدُّ عن دينه بقوم يطيعونه في أرضه ، مكان طاعة من أريد قبل الارتداد ؛ وهكذا شبه الله في خلقه لمن يدبِّر الكتاب ، لأن حجة الله لا تموت في أرضه إلى يوم القيامة ؛ وقيل : لا تعدم الأرض من الأبدال إذا مات منهم أحد أو أرتد أبدل الله مكانه . ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ عاطفين عليهم متذللين لهم ، ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أشداء على الكافرين ، والعزار : الأرض الصلبة ، فهم مع المؤمنين كالولد لوالده ، والعبد لسيده ، ومع الكافرين كالسبع على فريسته . ﴿ يُجَاهِدُونَ ﴾ مجاهدة الظاهر والباطن ، ﴿ فِي سَبِيلِ اللّهِ ﴾ في طاعته ، ﴿ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ﴾ ولا يتركون المجاهدة لخوف الإثم ، ولا لمذمة ذامٍّ . ﴿ ذَلِكَ ﴾ الوصف المذكور ، ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢٣
قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الكَافِرِينَ ﴾ . هو كقوله : ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [ الفتح : 29 ] ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قال بعضهم : أنزل الله هذه الآية وقد علم أنه سيرتد مرتدون . فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد الناس عن الإِسلام إلا أهل ثلاثة مساجد ، مسجد المدينة ومسجد مكة ومسجد جواثا من عبد القيس من البحرين فقالوا : أما الصلاة فنصلّي وأما الزكاة فوالله لا نعطي أموالنا . فكُلِّم أبو بكر أن يتجاوز عنهم وأن يخلّي عنهم وقيل له : إنهم لو قد فُقِّهوا أعطوا الزكاة طائعين . فأبى أبو بكر وقال : لا أفرِّق بين اثنين جمع بينهما الله وجمع بينهما رسوله : الصلاة والزكاة ، والله لو منعوني عِقَالاً مما فرض الله ورسوله لقاتلناهم عليه .
وذكروا أن أبا بكر إنما قال : لو منعوني عقالاً مما فرض الله ورسوله أنه من وجب عليه في الزكاة بعير وجب عليه أن يعطي مع البعير عقالاً . فبعث الله عصابة مع أبي بكر فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيُّ الله حتى أقروا بالماعون ، وهي الزكاة المفروضة .
ثم إن وفود العرب أتوه بعد ذلك فخيّرهم بين حرب مُجْلِية أو خطة مُخْزِية فاختاروا الخطة المخزية؛ وكانت أهونَ عليهم أن يشهدوا أن قتلاهم في النار وأن قتلى المسلمين في الجنّة؛ وأن ما أصابوا من مال المسلمين فرَدٌّ عليهم ، وأن ما أصاب المسلمون من أموالهم فهو لهم حلال .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢٣
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ ﴾ ارتدت في زمانه صلى الله عليه وسلم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار لقب به لأَنه كان له حمار يأْتمر بأَمره وينتهى بنهيه وهو الأَسود العنسى ، وكان كاهنا تنبأَ باليمن واستولى على بلاده وأَخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى معا بن جبل وسادات اليمن فأَهلكه الله على يد فيروز الديلمى فبيته وقتله ، فأَخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتله فسر المسلمون بذلك وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد فأَتى خبر موته في آخر ربيع الأَول ، وارتد بنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب تنبأَ وكتب إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مسيلمة رسول الله إِلى محمد رسول الله ، أَما بعد فإِن الأَرض نصفها لى ونصفها لك وإِنى قد أَشركت في الأَمر ولكن قريش تعتدى . فكتب إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إِلى مسيلمة الكذاب السلام على من اتبع الهدى أَما بعد فإِن الأَرض لله يورثها من يشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين . وذلك سنة عشر قتله وحشى غلام مطعم ابن عدى فكان يقول : قتلت خير الناس -أَى حمزة- في جاهليتى وشرهم -أَى مسيلمة - في إِسلامى وذلك في خلافة الصديق وقيل شاركة في قتله عبد الله بن زيد الأَنصارى طعنه وحشى وضربه عبد الله بسيفه قال عبد الله : يسائلنى الناس عن قتله فقلت ضربت وهذا طعن ، وروى أَنه أَرسل مسيلمة إِليه صلى الله عليه وسلم رسولين بكتاب فلما قرأَه قال لهما فما تقولان فقالا نقول بما قال ، فقال صلى الله عليه وسلم لولا أَن الرسل لا تقتل لقتلتكما ، فكتب إِليه مامر وذلك سنة عشر وارتد بنو أَسد وهم قوم طلحة بن خويلد تنبأَ فبعث إِليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقاتله فانهزم بعد القتال إِلى الشام ثم أَسلم وحسن إِسلامه ، وارتد في زمان الصديق رضى الله عنه فزاره قوم عيينة بن حصن الفزاري وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيرى وبنو سليم قوم عبد ياليل بكسر اللام الأُولى كهابيل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة اليربوعي ، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة التى زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب وأَسلمت بعد قتله وحسن إِسلامها ، وكندة قوم الأَشعث بن قيس الكندي وبنو بكر ابن وائل بالبحرين قوم الخطى بن يزيد فكفى الله أَمرهم على يد الصديق رضى الله عنه ، وارتدت فرقة واحدة في خلافة عمر بن الخطاب وهم جبلة بن الأَيهم وقومه لما طلب منه عمر أَن يقتص منه الذى لطمه في الطواف فهشم أَنفه وكسر ثناياه ، ويروى خلع عينيه إِذ وطىءَ ثوبه فانكشف ، فر هو وقومه ليلا إِلى الروم وهو من ملوك غسان ، ويروى أَنه عوض في القصاص أَلفا فأَبى صاحبه وزاد حتى بلغ عشرة آلاف وأَبى إِلا القصاص ، وروى أَنه قال : اقتص منى وأَناملك وهم سوقة ، قال : نعم لأَنه شملك وإِياه الإِسلام ، ومات مرتداً وقيل أَسلم وبسطت قصته في غير هذا ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ﴾ يوفقهم وينعم عليهم دنيا وأَخرى وهذا من أَدلتى على بطلان قول من وجب الإِظهار إِذا جرى اللفظ على غير ما هو له ولو ظهر المراد فإِن ضمير يحبهم لله لا للقوم ومع هذا لم يقل يحبهم هو ﴿ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ يحبون دينه وطاعته ويعملون بهما مستمرين ، وصح هذا الشرط لأن المعنى يعوض الله عنهم هذا القوم أَو يقدر يأْتى الله مكانهم بقوم ، أَو هذا تعليل للجواب أَى لم ينقص الدين بالتداده لأَنه سوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ، والمضارعان لتجدد الإِنعام والتوفيق من الله وتجدد الطاعة منهم وإِن شئت فمحبة العباد لله ميلهم إِليه فيعبدوه ولا يعصوه ومحبة الله لهم إِثابتهم ومدحهم ، ولا يفسر بالميل ووصفه بالميل إِشراك ولا يجوز عشقت الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقال حب العباد لله تعالى طاعته بل هى لازم الحب ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ ﴾ ضمن أَذلة معنى الحنو والعطف فعبر بعلى أَو عبر بعلى عن اللازم لمشاكلة قوله ﴿ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ ﴾ أَى شداد عليهم غالبين ، أَو العلو على ظاهره لفضلهم على سائر المؤمنين ، كما أَنها في الثانى على ظاهرها وقدم الحبين لأَنهما سبب الذل والعزة ، وقدم الذل لأَنه نفع لمن تذللوا له من المؤمنين وما ينفعهم مقدم وكانا بالوصف لا بالفعل كالحبين للرسوخ ﴿ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ يتكرر منهم الجهاد في سبيل الله ﴿ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ ﴾ ما ﴿ لاَئِمٍ ﴾ ما فقد النتفى الخوف من كل اللومات ومن كل اللائمين ، والنكرة في سياق السلب للعموم حتى بدل دليل على عدمه ، وقيل ظاهره في العموم إِلا إِن كانت مع من الزائدة أَو لا العاملة عمل إِن فنص فيه ، إِلا أَن العموم في لائم استتباع للومة المضاف والقوم الفرس المسلمون المتبين أَثرهم في الدين كالإِمام عبد الرحمن بن رستم والإِمام أَفلح والإِمام عبد الوهاب والإِمام محمد ، لما نزلت الآية ، وفيهم نزل وإِن تتولوا يستبدل قوما غيركم ، أَيضاً ضرب صلى الله عليه وسلم يده على كتف سلمان الفارسى فقال هذا وذووه ، وقال لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من أَبناءِ فارس ، ويناسب هذا ما وجدنا في نسخة قديمة على عهد حسين بن على جد هذا الباى الذى هو محمد الهادى على عهدى وقت التفسير المؤرخة باليوم المتمم عشرين بين بعض أَراذل تونس والمظابيين وطعنوا في دين المظابيين ونصب الباى مجلسا بحضرة شيخ الإِسلام وحكم بأَنه من طعن فى المظابيين يقتل شرعا إن لم يتب لأنه طعن في الإِسلام جملة ونحن كلنا تجمعنا كلمة التوحيد والمظابيون يوفون بالقول والعمل ، انتهى ما وجد في تلك النسخة القديمة والحمد لله تعالى وعز وجل .
وقيل القوم الذين جاهدوا يوم القادسية وهمأَلفان من نخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاثة آلاف من الناس ، وقيل أَبو بكر وأَصحابه الذين قتلوا أَهل الردة ، وقيل أَهل اليمن لقوله صلى الله عليه وسلم لما نزلت : هم قوم هذا ، وأَشار إِلى أَبى موسى ، وقال في أَبى موسى : ضال مضل ، وفى نفى خوف لومة لائم تعريض بالمنافقين إِذ كانوا يخافون إِذا خرجوا في الجهاد أَن يفعلوا من جهة المؤمنين ما يلومهم به اليهود كقتل عدو للمؤمنين ودلالة على عورة عدوهم ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر من حب الله لهم وحبهم إِياه والذلة للمؤمنين والعزة على الكافرين والجهاد في سبيل الله وانتفاء خوف لومة لائم ﴿ فَضْلُ اللهِ ﴾ خيرا جاد به عليهم لا أجرة على شيءٍ ﴿ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ بتوفيقه ﴿ واللهُ وَاسِعق ﴾ كثير الخير إِثابة وفضلا ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمستحقى ذلك .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٢٣