وَیَطُوفُ عَلَیۡهِمۡ غِلۡمَانࣱ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤࣱ مَّكۡنُونࣱ٢٤
الرسم الإملائيّ
وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
الجزء ٢٧الربع ٢١٠ صفحة ٥٢٤
تفسيرها
}وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴿ بالكأس ﴾غِلْمَانٌ لَهُمْ﴿ أي: ممـاليك مخصـوصون بهـم، ﴾كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24){ مصون في الصدف من بياضهم من وصفائهم. وعنه عليه السلام: »والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب«. قيل: ما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل غير ما عليه صاحبه.
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٧٥٩
قوله : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ ﴾ وقال في آية أخرى : ﴿ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ﴾ [ الواقعة : 17 ] أي : لا يموتون ولا يشيبون . ﴿ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ ﴾ أي : في صفاء ألوانهم . والمكنون : الذي في أصدافه .
ذكروا عن جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام قال : « خدم أهل الجنة نور وجوههم نور الشمس ، لو كانوا في الدنيا لاقتتل أهل الدنيا عليهم » قالوا يا رسول الله ، هذا حسن الخادم ، فكيف حسن المخدوم . فقال : « والذي نفسي بيده لحسن الخادم عند المخدوم كالكوكب المظلم إلى جنب القمر ليلة البدر » .
فبلغنا والله أعلم أن أولياء الله يخيّرون قبل أن يخلدوا أمان الله ورضوانه ، ثم تزلف لهم الجنة ، ويؤمر بأبوابها فتفتح لهم ، فيخرج منه المسك مقدار خمسمائة سنة ، أو ما شاء الله من ذلك . وتخرج الحور العين قد عرفت كل واحدة منهن زوجها إذا أقبلت إليه . ويرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة من الصفاء والطيب . ثم يقال لهم : لكم أنتم وأزواجكم ما تحبون . ثم تقدمهم الملائكة إلى الجنة يرونهم مواضعهم . فإذا دنوا من أبوابها استقبلتهم الملائكة ﴿ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ أي ادخلوا دار الخلد ، ودار الجنة ، ودار القرار ، ودار الملك ، ودار الأمان ، ودار النعيم الدائم ، ودار الفرح والسرور والبشرى ، أبشروا بنعيم مقيم أبداً ، لا ينفد ، ولا يُسأم ، ولا ينقطع ، فعند ذلك يقولون : ﴿ الْحَمْدُ لِلهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ [ الزمر : 74 ] . فتنزل كل نفس درجاتها بعملها .
في درجتها أزواج وخدم ، وفرش وأسرة ، وأنهار تجري في غير أخدود من لبن وعسل مصفّى وماء وخمر ، وفاكهة كثيرة ، وألوان الرياحين ، والأكاليل على رؤوسهم ، ولباسهم من سندس وإستبرق وحرير . وريح المؤمن أطيب من ريح المسك الذكي . أسكنهم الله في داره ، وهي الجنة ، ليست كجنان الدنيا؛ أرضها رخام ليس كرخامكم هذا ، ولكنه رخام من فضة بيضاء ، وترابها الورس والزعفران ، وكثبانها مسك أذفر ، وأنهارها تجري في غير أخدود ، وطينها مسك أذفر ، ورضراضها الدر والياقوت ، وقصورها من الذهب والفضة والدر والياقوت والزبرجد وألوان الجوهر . وعلى الجنان كلها حائط طوله خمسمائة سنة ، لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت . وجذوع نخلها ذهب أحمر ، وكَرَبها در وزبرجد أخضر ، وسعفها حلل ، ورطبها أشد بياضاً من الفضة وأحلى من العسل ، وألين من الزبد ، ليس في شيء منه نوى .
وطيرها أمثال البخت ، فإذا أكل ولي الرحمن جاءت الطير صفاً بين يديه ، فينعت كلُّ طير منها نفسَه وطيبَ لحمه ، ورائحته وطعمَه . فإذا اشتهى ولي الرحمن شيئاً من غير أن يتكلم ، وضع على مائدته نصفه قدير ونصفه شواء .
ويعطى أحدهم قوة مائة رجل شاب في الطعام والشراب والكسوة والشهوة والجماع .
نور الوجوه ، بيض الألوان ، صفر الحلي ، خضر الثياب ، جرداً ، مرداً ، مكحلين ، مسوّرين ، متوّجين بالذهب واللؤلؤ والجوهر . فإذا شاء أحدهم ركب فرساً من ياقوت حمراء فطارت به إلى أي جنة شاء . ولكل رجل منهم نجيبة من ياقوت أحمر ، لها أجنحة بيض أشد بياضاً من الثلج ، لها رحل مقدمه ومؤخره درٌّ وياقوت ، وجانباه ذهب وفضة ، وزمامها ياقوت أحمر ، وهو ألين من الحرير . خطوتها مدّ بصره .
وله فيها أزواج مطهرة من القذى كلها : من الحيض والبول والغائط والبزاق ، عاشقات لأزواجهن ، عذارى أبكار ، كلهن على سنّ واحدة ، يجد فيها ريح إحداهن من مسيرة خمسمائة عام . ولهن حلل ، كل حلّة خير من الدنيا وما فيها من أولها إلى يوم تفنى .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٧٥٩
﴿ يتنازعون فيها كأساً ﴾ يأخذ كل كل من الآخر كأسا بعد شربه كصورة التجاذب بالقهر ، أو الملاعبة ، وليس قهرا ولا ملاعبة ، ووجه هذا التجوز أن النفس تحب اللهو ، وتحب القهر ، فلهم تلذذ بهذا المحبوب دون حقيقة ، واختار بعض أن المراد تجاذب الملاعبة ، كما اعتاد بالندماء ، والكأس الاناء مع ما فيه من خمر أو غيرها ، وشهر أنه الاناء الذى امتلأ خمرا أو كاد يمتلىء ، ويسمى كأسا بلا مائع فيه ، ويسمى ما فيه كأسا مجازا لعلاقة الحالية والمحلية .
﴿ لا لَغْو فيها ﴾ أى فى الكأس ، باعتبار شربها أى شرب ما فيها ، والذى يتنازع هو نفس الكأس لا خمرها لا بالتبع ، واللغو لا يكون داخل الاناء ، وانما المراد فى شأن من أخذها شرب ما فيها ، فالمارد لا لغو فى شأنها ، أو عندها ، واعتبر أن العربدة والتأثم تكون بشرب الخمر ، ففسر الكأس بنفس الخمر ، والضمير لها بمعنى الخمر ، والكأس مؤنث فيها شىء أولا ، والخمر مؤنث ، واللغو ما لا فائدة فيه من الكلام ذنبا أو غيره ﴿ ولا تأثيم ﴾ نسبة الى الاثم ، وهو الذنب بكلام يكلم به شاربها مما لا يجوز ، ولا بتحريم شربها إذ لا ذنب عليهم فى شربها ، كما أن فى خمر الدنيا لغوا وتأثيما واقترافا لذنب بشربها لتحريمها ، بل يتكلم أهل الجنة فى حال الكأس بأحاسن الكلام ، ولا يتكلمون بكلام نسبة الغير الى الاثم ، مثل يا سارق ، أو يا زانى ، أو فلان سارق أو زانٍ ، ولا كلام يعد ذنبا كالاشراك ، فينسب اليه أنه آثم ﴿ ويَطوف ﴾ بالكأس ﴿ عَليْهم غِلمانٌ لهُم ﴾ خلقهم وملكهم الله جل وعلا ، وغلمان اليهود والنصارى وسائر المشركين والأشقياء ، فهؤلاء خدم أهل الجنة ، وأما أولادهم الذين ألحقوا بهم فهم ملوك فيها لا خدم ﴿ كأنَّهم لُؤلؤ مَكْنُونٌ ﴾ فى صدفه ، مالكه فى حرز عظيم لعظم ثمنه ، قيل : يا رسول الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم : « والذى نفسى بيده لفضله عليه كفضل البدر على سائر الكوكب » وغلمان جمع كثرة ، كما يروى أن أدنى أهل الجنة ينادى الخادم فيحضر مائة ألف بابه قائلين : لبيك لبيك ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : ما من احد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غالم كل واحد منهم على عمل غير عمل صاحبه .
افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٧٥٩