سورة القمر · الآية ٤٩ من ٥٥

‹ السورة السابقة
إِنَّا كُلَّ شَیۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرࣲ٤٩
الرسم الإملائيّ

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

الجزء ٢٧الربع ٢١٢ صفحة ٥٣٠

تفسيرها

[سورة القمر — آية 49]

}إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴿ أي: إنا خلقنا كل شئ مقدرا مرتبا على مقتضى الحكمة، أي: مقدرا مكتوبا في اللوح قبل وقوعه؛ وقيل: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له. ﴾وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴿ إلا فعلة واحدة ﴾كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50)﴿في اليسر والسرعة؛ وقيل: معناه معنى قوله: ﴾وَمَا أمر الساعة إِلاَّ كلمح البصر{ .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٩٥

[سورة القمر — آية 49]

قوله عز وجل : ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ ذكروا عن سعيد بن جبير عن علي قال : كل شيء بقدر حتى هذه ووضع إصبعه السبابة على طرف لسانه ، ثم وضعها على طرف إبهامه اليسرى .

ذكروا عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يؤمن العبد حتى يؤمن بأربعة : يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، بعثني بالحق ، ويؤمن بالبعث بعد الموت ، ويؤمن بالقدر » .

ذكروا عن عطاء بن السايب عن علي قال : لا يجد عبد طعم حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه .

ذكروا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو في ملإٍ من أصحابه إذ أقبل رجل حتى سلم على النبي صلى الله عليه وسلم والملأ ، فرد عليه السلام فقال : « يا محمد ، ألا تخبرني ما الإيمان؟ فقال : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث بعد الموت والحساب والميزان والجنة والنار ، والقدر خيره وشره . قال فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن؟ قال : نعم . قال صدقت . فعجب أصحاب النبي عليه السلام من قوله : صدقت . ثم قال : يا محمد ، ألا تخبرني ما الإسلام؟ قال : الإسلام أن تقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج بيت الله الحرام ، وتغتسل من الجنابة ، قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال : نعم . قال : صدقت . قال : يا محمد ، ألا تخبرني ما الإحسان؟ قال الإحسان أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك . قال فإذا فعلت ذلك فقد أحسنت؟ قال : نعم .

قال : صدقت . قال : يا محمد ، ألا تخبرني متى الساعة؟ قال : سبحان الله العظيم ثلاث مرات ، ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ، إن الله استأثر بعلم خمسة لم يطلع عليها أحد ﴿ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ لقمان : 34 ] ولكن سأخبرك بشيء يكون قبلها : حين تلد الأَمَةُ ربَّها وحين يتطاول أهل البناء في البنيان وتصير الحفاة العراة على رقاب الناس . قال : ثم تولى الرجل فاتبعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرفه حيناً طويلاً ، قال : ثم رد طرفه فقال : هل تدرون من هذا؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم فتعلموا » .

ذكروا أن عبد الله بن مسعود قال : ما كفر قوم بعد نبوءة إلا كان مفتاح ذلك التكذيب بالقدر .

ذكروا عن عمران عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « بني الإسلام على ثلاثة : الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر فئة من المسلمين تكون هي التي تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار ، والكف عند ما لا تعلم ، والمقادير خيرها وشرها » . ذكروا عن يحيى بن كثير عن رجاء بن حيوة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنما أخاف على أمتي حيف الأئمة والتصديق بالنجوم والتكذيب بالقدر » .

ذكروا عن أبي العجاج الأزدي قال : قلت لسلمان الفارسي : ألا تخبرني عن القدر وعن الإيمان بالقدر . قال : تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولا تقل لولا كذا لم يكن كذا .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٩٥

[سورة القمر — آية 49]

﴿ إنَّا كلَّ شَىءٍ ﴾ منصوب على الاشتغال فهو بفعل الخبر ، أى إنا خلقنا كل شىء ﴿ خَلقْناهُ ﴾ فهذه الجملة المحذوفة خبر ان ﴿ بقَدرٍ ﴾ متعلق بخلق المذكور لا المحذوف ، فخلقناه المذكور مؤكد للمحذوف ، ولم ينسحب التويكد على بقدر ، لو قدر مثله للمحذوف لانسحب عليه التوكيد ، إنا خلقنا كل شىء بقدر ، خلقناه بقدر ، لكن لا حاجة الى تقديره ، ولا دليل ونصب كل دليل على تقدير الناصب فقط ، ولو لقنا بقدر المذكور لا بخلق المحذوف لم يحصل التأكيد أيضا إلا على تقدير مثله لخلق المذكور ، ولرفع كل كما هو قراءة شاذة لكان خبره وقوله : ﴿ خلقناه بقدر ﴾ وهو المعنى المراد ، فيحتمل أن يكون قوله : ﴿ خلقناه ﴾ نعتا لشىء ، ويقدر خبر كل فيكون المعنى كل شىء متصف بأنه مخلوق لنا بقدر ، فربما توهم أن ثم شيئا غير مخلوق لله تعالى ، فلا يبطل الا بخارج وهو سائر الآيات ، والدلائل التى نصبت أنه خالق سواه ، فالنصب أولى لأنه لا احتمال معه .

ومعنى بقدر بتقدير ، أى باحكام واستيفاء لا مهملا ، فذلك كقوله تعالى : ﴿ وخلق كل شىء فقدره تقديرا ﴾ أو المعنى بمقدار مخصوص أو المعنى أنه مكتوب فى اللوح قبل خلقه ، الآية رد على من نفى القدر عن الله عز وجل ، خاصم قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم فى القدر ، فنزل : ﴿ يوم يسحبون ﴾ الى ﴿ بقدر ﴾ رواه أبو هريرة ، وهو يقتضى أن يوم منصوب باذكر ، وقال صلى الله عليه وسلم : « صنفان من أمتى ليس لهما فى الاسلام نصيب المرجئة والقدرية » نزل فيهما ﴿ إن المجرمين ﴾ الى ﴿ بقدر ﴾ رواه ابن عباس ، وكان ابن عباس يبغض القدرية جدا ويقول : لو أدركت بعضهم لفعلت به كذا وكذا ، ثم قال : الزنى بقدر ، والسرقة بقدر ، وشرب الخمر بقدر ، قال مجاهد : قلت لابن عباس : ما تقول فيمن يكذب بالقدر؟ قال : أجمع بينى وبينه ، قلت : ما تصنع به؟ قال : أخنقه حتى يموت .

وعنه صلى الله عليه وسلم : « لكل أمة مجوس ومجوسا أمتى الذين يقولون لا قدر ، ان مرضوا فلا تعودوهم ، وان ماتوا فلا تشهدوهم » أو كل شىء له مقداره الذى قضاه الله له ، وعن ابن عباس : كل شىء بقدر حتى وضعك يدك على خدك ، قال عمر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذ جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فينادى نداء يسمعه الأولون والآخرون أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية فيأمر بهم الى النار » يقول الله : ﴿ ذوقوا مس سقر * إنا كل شىء خلقناه بقدر ﴾ سماهم خصماء الرحمن لأنهم ينفون قدرة الله على أفعالهم فقالوا : انهم خلقوا أفعالهم ولم يخلقها الله ، وقالوا : لا يقدر أن يخلق المعصية ويعذب عليها فاعلها ، ولا يعلمها حتى تقع .

وأما من قال لا يعلم شيئا حتى يقع معصية أو غيرها فقد انقطعوا ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام ، وعرشه على الماء ، وذلك كتابة فى اللوح المحفوظ ، وإلا فلا أول لعلمه لأنه صفة أزلية » ومن القدرية المعتزلية .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٬٨٩٥