سورة المجادلة · الآية ١٦ من ٢٢

‹ السورة السابقة
ٱتَّخَذُوۤا۟ أَیۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةࣰ فَصَدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّهِینࣱ١٦
الرسم الإملائيّ

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ

الجزء ٢٨الربع ٢١٨ صفحة ٥٤٤

تفسيرها

[سورة المجادلة — آية 16]

}أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴿ والوا،﴾قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴿ لا من المؤمنين ولا من المنافقين، ولكنهم من الجاحدين؛ ويحتمل: ما هم منكم ولا أنتم منهم، ولكنهم خارجون بنفاقهم وفسقهم عن اسم الإيمان الحقيقي، ﴾وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14)﴿أن المحلوف عليه كذب، ﴾أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15)﴿ فتمرنوا على سوء العمل، وأصروا عليه، ﴾اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴿ الذي أظهروه، ﴾جُنَّةً﴿ وقاية دون دمائهم وأموالـهم، ﴾فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴿ لأنهم لم يريدوا به وجهه، وإن أرادوا به وجهه مع المخالفة بغيره فلا ينفعهم، لأنه لا تقوم طاعة من عاص، ﴾شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴿ أي: لله على أنهم مسلمون، ﴾كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴿ في الدنيا أنهم منكم، ﴾وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴿ وهم خالون من كل شيء، لأن النفاق قد تمكن في نفوسهم، ﴾أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18)﴿ البالغون الغاية في الكذب، حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحـلفون عليه. ﴾اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴿ استولى عليهـم وغلب، ﴾فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴿ لا يذكرون الله بقلوبهم،﴾أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴿جنوده وأتباعه (لعله) وأنصاره على الضلال،﴾ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19){لأنهم فوتوا أنفسهم النعيم المؤبد، وعرضوها للعذاب المخلد.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٢٠

[سورة المجادلة — آية 16]

قال عز وجل : ﴿ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي : حلفهم ﴿ جُنَّةً ﴾ وهو كقوله : ﴿ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ المنافقون : 1 ] .

وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنا إذا أتينا المشركين شهدنا إنك لرسول الله ، فكذبهم الله في الذي قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عز وجل : ﴿ إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ﴾ أي : إنا شهدنا بذلك عند المشركين . قال عز وجل : ﴿ وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ المْنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ أي فيما ذكروا لك أنهم يشهدون عند المشركين إنك لرسوله . وكانوا يحلفون للنبي وللمؤمنين ليصدقوهم ، فقال : ﴿ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ ﴾ أي حلفهم لك ﴿ جُنَّةً ﴾ اجتنوا بها منكم ، وأسروا نفاقهم ولم يظهروه . لكي لا يقتلوا [ ولا تسبى ذريتهم ولا تؤخذ أموالهم ] ، إذا أظهروا نفاقهم لأنهم يعلمون أن الحكم فيهم إذا أظهروا نفاقهم القتل . كقوله تعالى : ﴿ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً . سُنَّةَ الله فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ ﴾ [ الأحزاب : 60 ] أي : هكذا سنة الله في منافقي كل أمة خلت من قبل : القتل إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم . وكذلك سنته في منافقي أمتك إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم .

قال تعالى : ﴿ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي : عن الإسلام ، كانوا يصدون عنه قال : ﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينُ ﴾ أي : من الهوان في عذاب جهنم .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٢٠

[سورة المجادلة — آية 16]

﴿ أعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ فى الآخرة بسبب حلفهم كاذبين وهو نص فى خطاب المشركين بالفروع ﴿ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾ كاذبة ﴿ جُنَّةً ﴾ سترة عن المؤاخذة بما قد يظهر منهم من الإِشراك وما دونه فلا تباح دماؤهم وأموالهم وأولادهم ﴿ فَصَدُّوا ﴾ كل من تمكنوا من صده ﴿ عَن سَبِيلِ اللهِ ﴾ إِخلاص الإِيمان والجهاد والدخول فى الإِسلام ، وقيل صدوا المسلمين عن قتلهم بكلمة الشهادة التى يتلفظون بها والمقام مقام التشنيع عليهم بالسعى فى تضعيف أمر المؤمنين وجر الناس إِلى الكفر فيضعف تفسير الصد بمجرد الإِعراض على أنه لازم ﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ فى الآخرة بسبب صدهم وهذا أولى مما قيل عذاب واحد وصف بالشدة وبالإِهانة ألا ترى كيف فرع الأَخير على الصدفيان أنه غير الأَول ، وأيضاً النكرة الثانية غير الأُولى على القاعدة ، وقيل العذاب الشديد فى القبر والعذاب المهين فى الآخرة ولا دليل على هذا التفضيل ، نعم الإِهانة يتبادر منها الظهور ولا ظهور فى القبر بل فى الموقف .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٢٠