سورة الحشر · الآية ٢١ من ٢٤

‹ السورة السابقة
لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلࣲ لَّرَأَیۡتَهُۥ خَٰشِعࣰا مُّتَصَدِّعࣰا مِّنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ٢١
الرسم الإملائيّ

لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

الجزء ٢٨الربع ٢١٩ صفحة ٥٤٨

تفسيرها

[سورة الحشر — آية 21]

}لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ﴿ وكان مركبا فيه عقل، ﴾لَرَأَيْتَهُ﴿ تمثيل وتخييل كما مر في قوله: ﴾إنَّا عرضنا الأمانة﴿ ولذلك عقبه بقوله: ﴾خَاشِعًا﴿ (لعله) متواضعا قد وضعته عن التكبر آيات القرآن ﴾مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴿ (لعله) من عذابه وعقوبته إن لم يمتثل لما في القرآن، فإن الإشارة إليه وإلى أمثاله؛ والمراد: توبيخ الإنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وقلة تدبره، والتصدع: التشقق. ﴾وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21){ أنه:

}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ﴿ ما غاب عن العباد علمه؛ ﴾وَالشَّهَادَةِ﴿: ما شاهدوه وعاينوه، ﴾هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22)﴿ ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقدم الغيب لتقدمه في الوجود، وتعلق العلم القديم به؛ أو المعدوم والموجود؛ أو السر والعلانية؛ أو الآخرة والدنيا، كقوله:﴾ الذين يؤمنون بالغيب{.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٤٧

[سورة الحشر — آية 21]

قوله عز وجل : ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ ﴾ أي : على حدِ ما أنزلناه على العباد من الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّن خَشْيَةِ الله ﴾ يوبخ بذلك العباد . ونظيرها قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ [ الأحزاب : 72 ] . وقد فسّرناه في سورة الأحزاب .

قال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي : لكي يتفكروا فيعلموا أنهم أحق بخشية الله من هذا الجبل ، لأنهم يخافون العقاب ، وليس على الجبال عقاب .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٤٧

[سورة الحشر — آية 21]

﴿ وَلاَ تَكُونُوا ﴾ أيها الناس أو المؤمنون ﴿ كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ ﴾ تركوا أوامره ونواهيه تركا بليغًا ، كالأَمر الذاهب عن الحافظة وما رعوها حق رعايتها وما قدروا الله حق قدره .

﴿ فَأَنسَاهُمْ أنفُسَهُمْ ﴾ أبقاهم ناسين أى تاركين لمصالح أنفسهم الدينية والأخروية ، لم يقدموا لأَنفسهم خيرا واختاروا لأَنفسهم خلاف الحق لكن بخلق الله أيضاً أولا ، فأَبقاهم عليه خذلانا لهم أو أراهم الله يوم القيامة أهوالا تنسيهم أنفسهم حتى لا يدرون من هم ولا ما حالهم ولا أين هم ، وهذا ممكن ولو ظهر أنه بعيد ، وذلك فى بعض الأَحيان .

﴿ أُوْلَئِكَ ﴾ البعداء فى سوء الاعتقاد والقول والفعل ﴿ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ الكاملون فى الفسق ﴿ لاَ يَسْتَوِى أصْحَابُ النَّارِ ﴾ الناسون الله عز وجل المستحقون الخلود فى النار ﴿ وَأصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ المتقون لله الرحمن الرحيم المستحقون الخلود فى الجنة ، وقدم أصحاب النار إِيذاناً من أول بأَن القصور والنقص جاء من جانبهم ، وأن الصواب أن يؤمنوا ويتقوا ويساووا أصحاب الجنة ، والأَصل فى عدم الاستواء اعتباره من جانب الناقص وعليه قوله هل يستوى الأَعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور ، وليس ذلك لازما ، ألا ترى أنه قدم الذين يعلمون على الذين لا يعلمون ، والمراد بالاستواء فى أمور الآخرة من إعطاء الكتب بالأيمان والشمائل ونضارة الوجه وسواده والجنة والنار وغير ذلك مما يدل له التعبير بأَصحاب النار وأصحاب الجنة وكما يدل له قوله تعالى ﴿ أصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ فإِنه مستأْنف لكيفية عدم الاستواء بأَن المؤمنين فازوا بكل مطلوب والنجاة من كل مكروه والكفار بعكس ذلك ، ولذلك قلنا لا تدل الآية على أنه لا يقتل مؤمن بكافر ولا يحل ما غنمه المشركون من المؤمنين وإِنما نقول لا يقتل مؤمن بكافر بغير الآية من الحديث ، وفى حل ما غنموه من المؤمنين خلاف ، ولى فيه رسالة والآية معرضة بأَن الناس كمن لا يعرف أن الجنة شئ طيب ولا أن فيها الفوز ، ولا أن النار شئ كريه ، إِذ لم يجتهدوا فى شأن ذلك ، كمن قال لعبد عصى سيده : إِنه سيدك . ولمن عق أباه : إِنه أبوك . كأَنه لا يعرف أنه سيده وكأَنه لا يعرف أنه أبوه . ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ ﴾ أى هذا المقروء ، فهو باعتبار معنى جنسيته نعت أو عطف بيان أو بدل على ما شهر وبحث فيه وإِن جعلناه علماً فهو عطف بيان أو بدل وإِشارة القرب تنبيه على ظهور كونه حقاً وكونه عظيماً عند كل من لم يكابر عقله .

وفى الترمذى عن معقل بن يسار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، وقرأ ثلاث الآيات من آخر سورة الحشر ، يعنى لو أنزلنا . . الخ . وكل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسى فإِن مات فى ذلك اليوم مات شهيداً ، ومن قالها حين يمسى كان كذلك »

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬١٤٧