أَفَغَیۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِی حَكَمࣰا وَهُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ إِلَیۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلࣰاۚ وَٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ یَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلࣱ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِینَ١١٤
الرسم الإملائيّ
أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
الجزء ٨الربع ٥٧ صفحة ١٤٢
تفسيرها
﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ ولتميل إلى زُخرف القول ووسوسة الشيطان قلوب الكفار، (لعله) بالهوى والعمى ، ﴿ وَلِيَرْضَوْهُ ﴾ لأنفسهم ، ﴿ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ ﴾ (لعله) من الآثام بسبب الإصغاء إلى الوسوسة ، وزخرف القول ، (لعله) يحكمون بغير الله ؛ فرد الله عليهم بقوله : ﴿ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً ﴾ ؟ أي : قل يا محمد ، أفغير الله أطلب حاكما يحكم بيني وبينكم ، ويفصل المحق منا من المبطل ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ أي : مبينا فيه الفصل بين الحق والباطل ، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالباطل والافتراء ؛ ثم عضد الدلالة على أن القرآن حق يعلم أهل الكتاب ، لتصديقه ما عندهم وموافقته له : ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ الشاكين فيه ، ويحتمل في ( الذين آتيناهم الكتاب ) هو القرآن ، وهم المصدَّقون به .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠٣
قوله : ﴿ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾ أي : مبيَّناً فصَّل فيه الهدى والضلالة والحلال والحرام .
قوله : ﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ ﴾ يعني أهل الدراسة من أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحقّ ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ أي من الشاكّين [ أن هذا القرآن من عند الله وأن الدارسين من أهل الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالحَقِّ ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠٣
﴿ أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِى حَكَماً ﴾ على تقدير القول أَى قل لهمك أَفغير الله إِلخ ، والهمزة مما بعد الفاء قدمت على العاطف لكمال صدريتها ، أَو داخلة على محذوف عطف عليه أَبتغى أَى أَأَصغى إِلى زخرف القول ومطلق الباطل ، أَو أَأَعدل من الصراط المستقيم فأَبتغى غير الله حكما ، أَى أَطلب ، وغير مفعول به فحكما حال أَو تمييز لغير ، أَو غير حال من حكما ، وحكما مفعول به ، والحكم من لا يخطئ فى حكمه ، وهو أَخص من الحاكم ، وقيل : الحكم من تكرر منه الفعل والحاكم يصدق ولو بمرة ، وأَصحابنا رحمهم الله لا يجيزون اسم الفاعل بمرة ، ووافقهم الفخر فى سورة لقمان عند الكلام على قوله تعالى هو جاز عن والده شيئا ، وقال أَبتغى ولم يقل تبتغون كما قال : أَفغير دين الله تبغون ، مع أَنهم المبتغون إِظهارا للإِنصاف ، أَى لا يليق بى كما لا يليق بكم ، بدأَ بنفسه فى الحكم عليها ، أَو لمراعاة قولهم اجعل لما طلبوا منه الجعل بدأَ بنفسه فى الكلام على الجعل { وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ إِلَيْكُمُؤ الخطاب للمشركين المبتغين للحكم ، ونسب الكتاب إِليهم بالإِنزال للجلب إِلى قبوله ، ولأَنه أَوفق بصدر الآية المسوقة للإِنكار عليهم ، ولو عبر بأبتغى لا يبتغون إِظهارا للنصفة كقوله تعالى ﴿ وما لى لا أَعبد الذى فطرنى ﴾ إِلخ ، ولم يقل ما لكم لا تعبدون الذى فطرنى إِلخ ﴿ الْكِتَابَ ﴾ القرآن ﴿ مُفَصَّلاً ﴾ مبينا فيه الحق من الباطل ، وأَنتم أُمة أُمية لا تدرون ما تأْتون وما تذرون ، والجملة حال من ضمير أَبتغى والرابط واو الحال ، أَو من لفظ الجلالة المضاف إِليه لجواز الحال عند الفارسى من المضاف إِليه مطلقا أَو لتأويل المضاف بمغاير الصالح للعمل ، وكيف إِنكار للياقة ابتغاء غير الله حكما مع أَن الله هو الذى أَنزل الكتاب إِليكم ، ولم يقل إِلينا تعظيما لهذا التعظيم والجلب وأَن القرآن من الله تقريرا بقوله ﴿ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ التوراة ، أَو الجنس الشامل لها وللإِنجيل وغيرهما ، والمراد أَهل الكتاب مطلقا ، لأَن أَكثرهم يعلمون ، أَو لأَن من لم يعلم متمكن من العلم ، فكأَنهم كلهم عالمون ، أَو المراد علماؤهم كعبد الله بن سلام وغيره من أَهل الكتاب الذين يريدون جعل الحكم منهم ، وتفسير بعضهم الموصول بكبراءِ الصحابة وأَهل بدر والكتاب لا يتبادر ، بل ليس من التفسير فى العير ولا فى النفير ﴿ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ ﴾ أَى الكتاب المنزل إِليك وإِلى قريش وغيرهم وهو القرآن ﴿ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ ﴾ لا باطل ولا من غير ربك ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ مقترنا بالحق ﴿ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ﴾ الشاكين فى الكتاب أَى القرآن أَنه من الله ، أَو الشاكين فى أَن أَهل الكتاب يعلمون أَنه من الله جل وعلا ، فاجزم بأَنهم عالمون بأَنه من الله ، ولا شك أَنه صلى الله عليه سولم لا يشك فى أَن القرآن من الله ولا فى أَه أَهل الكتاب يعلمون أَنه من الله لأَنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأَنهم عالمون به فلا يرتاب فيهم من حيث علمهم ولا يتهمهم بمداراة أَو مداهنة أَو غرض فى ذلك إِذا أَخبروه به ، وقد يمكن أَن يخبره بعض لذلكن وإِنما ذلك شدة التأكيد والتحريض كقوله تعالى
﴿ ولا تكونن من المشركين ﴾ ، أَو المراد الدوام على انتفاءِ الامتراءِ ، أَو زيادة اليقين ، أَو الخطاب لمن يصلح إِن شك ، لا له صلى الله عليه وسلم ، أَو الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد التعريض لأُمته .
افتحه في القارئ · صفحة ٩٠٣