سورة الأنعام · الآية ١٣٠ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
یَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ یَأۡتِكُمۡ رُسُلࣱ مِّنكُمۡ یَقُصُّونَ عَلَیۡكُمۡ ءَایَٰتِی وَیُنذِرُونَكُمۡ لِقَاۤءَ یَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُوا۟ شَهِدۡنَا عَلَىٰۤ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُوا۟ كَٰفِرِینَ١٣٠
الرسم الإملائيّ

يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ

الجزء ٨الربع ٥٨ صفحة ١٤٤

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 130]

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾ أي : ومثل ذلك نولَّي بعض الظالمين بعضا ، نخلِّيهم حتى يتولّى بعضهم بعضا ، يترأس بعضهم على بعض ، ﴿ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ بسبب كسبهم

ثم يقال لهم يوم القيامة على جهة التوبيخ : ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ بقيام الدليل من سول أو رسول الرسول ، كما قال : ( ولو إلى قومهم منذرين ) ، ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ﴾ يقرؤون كتبي ؛ هذا حكاية لتصديقهم وإيجابهم قوله ، وإقرارهم بأن حجة الله لازمة لهم ، ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا ﴾ بوجوب الحجة علينا ، وتبليغ الرسل إلينا ، ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ لعله بظاهرها المليح لأنهم لم يتفكروا في عواقبها القبيحة ، ﴿ وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ ﴾ ذمٌّ لهم على سوء نظرهم ، وخطإ رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المجدبة [كذا] ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية ، حتى كانت عاقبة أمرهم أن اضطرهم إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلّد ، تحذيرا للسامعين من مثل حالهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٩١٩

[سورة الأنعام — آية 130]

قوله : ﴿ يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنْسِ ﴾ يعني من كفر منهم ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ أي من الإِنس خاصة ، ولم يبعث الله نبياً من الجن ولا من النساء ولا من أهل البدو . وإن كان خاطب بهذه المقالة الثقلين جميعاً من الجن والإِنس ، وأرسل فيهم الرسل من الإِنس خاصة ، فقال وهو يخاطبهم جميعاً : الجن والإِنس : ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ أي : من أحدكم ، أي من الإِنس . كقوله : ﴿ يُخْرُجُ مِنْهُمَا ﴾ أي من البحرين ﴿ اللُّؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ [ الرحمن : 22 ] وإنما يخرج من أحدهما ، وليس يخرج منهما جميعاً ، وكذلك قوله : ﴿ يَا مَعْشَرَ الجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ أي من أحدكم ، وهو الإِنس . قال : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحَى إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى ﴾ [ يوسف : 109 ] أي من أهل الحضر لأنهم كانوا أعلم وأفضل من أهل العمود .

ذكروا أن معاذ بن جبل كان على بعض قرى أهل الشام فجاء أناس من أهل البادية فقالوا : قد شقّت علينا الإِقامة ، فلو بدأت بنا ، فقال لعمري لا أبدأ بكم قبل أهل الحضارة أهل العبادة وأهل المساجد ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « تنزل عليهم السكينة ، وإليهم يأتي الخير ، وبهم يبدأ يوم القيامة » .

قوله : ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا ﴾ أنه قد جاءتنا الرسل في الدنيا ، وهذا بعد ما صاروا إلى النار .

يقول الله : ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ إذ كانوا فيها ﴿ وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهمْ ﴾ أي في الآخرة ﴿ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ أي في الدنيا .

افتحه في القارئ · صفحة ٩١٩

[سورة الأنعام — آية 130]

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ والإِنْسِ ﴾ يقول لهم الله بما شاءَ ، أَو تقول الملائكة لهم توبيخا ، ويدل لقول الله « يقصون عليكم آياتى » وعلى أَن القول للملائكة يكون التقدير تقول الملائكة عن الله ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ إِنكار لانتفاء فثبت الإِتيان ، وتوبيخ على ترك التأَثر بما جاءَت به الرسل ﴿ رُسُلٌ مِنْكُمْ ﴾ كثيرون عظام لم يخرجوا عنكم ويكوانوا من غيركم ، بل كانوا من بعضكم ، فذلك حكم على المجموع وكل لا على الجميع ولا كلية ، فلا ينافى أَن الأَنبياء من الإِنس فقط ، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب وكلف الجن بما كلف به الإِنس وبواسطة أَنبياءِ الإِنس صح الخطاب ، فلا دليل فى الاية لمن استدل بها على أَن رسل الجن من الجن ، ولا فى قوله تعالى ﴿ وإِن من أَمة إِلا خلا فيها نذير ﴾ ؛ لأَن المراد أَمم الإِنس كما هو المتبادر من الآية ، ولا فى قوله تعالى ﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ﴾ إِذ كانت علة جعل الملك رجلا أَنه أَليق فذلك يكون أَليق بالجن رجلا منهم؛ لأَنا نقول رسول الإِنس لئق بهم يسمعون منه وممن أَخذ منه ويحضرون الدروس ولا نراهم ، وربما سمع سؤال منهم ، وقد استمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : الآية تدل على أَن رسل الجن من الجن لكن لم يوح إِليهم بل سمعوا من رسل الإِنس الموحى إِليهم ، والمراد بالرسل فى الاية ما شمل رسل الرسل كقوله تعالى ﴿ ولوا إِلى قومهم منذرين ﴾ وهذا كما سمى الله عز وجل رسل عيسى رسل الله ، قال ﴿ إِذا أَرسلنا إِليهم اثنين ﴾ وقام الإِجماع على أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل إِلى الجن والإِنس ، قلنا : هو مرسل إِلى الأَنبياءِ قبله وأَممهم ، وإِلى الجن أَيضا قبله ، فقد وبخوا بكفر مع إِتيانه صلى الله عليه وسلم إِليهم بالآيات كما عمه قوله ﴿ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾ يوم القيامة . وعن ابن عباس رضى الله عنهما أَن الجن قتلوا نبيا لهم قبل آدم اسمه يوسف . وأَن الله تعالى بعث إِليهم رسولا وأَمرهم بطاعته . ولكن لم يثبت ذلك إِلى ابن عباس بسند . ولا شك أَن الأَنبياء أَرسلهم الله عز وجل إِلى الجن؛ لأَنه لا يهمل الجن كما لا يهمل الإِنس ، إِما بلا وساطة وهو وجه ضعيف حتى قيل وقع الإِجماع أَنه لم يرسل إِليهم منهم أَو بواسطة الآخذين عنهم من بنى آدم ، قالوا إِنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى فيقال أَنهم يهود من الجن لم يعرفوا أَمر عيسى عليهما السلام . وعن الكلبى الثانى . أَنه كانت الأَنبياء رسلا إِلى الإِنس حتى بعث صلى الله عليه وسلم إِلى الإِنس والجن؛ كأَنه قيل فماذا قالوا عند ذلك التوبيخ فقال ﴿ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ﴾ اعترفنا بأَن الرسل قد بلغتنا بلا واسطة وبها ، فإِنه إِذا كان الرسل يتكلمون بالوحى يسمع الحاضر من الجن ولا عذر لنا فى كفرنا ومخالفتنا ﴿ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ فمالوا إِلى لذات الكفر والكسل ﴿ وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ فى الدنيا ، ذمهم الله على سوءِ صنعهم بالاإِصرار واعترافهم فى وقت لا يدفع عنهم الاعتراف ما استوجبه من العقاب ، وهذا الإِخبار زجر لغيرهم عن مثل ذلك ، وهذا الاعتراف بأَلسنتهم فى موطن من مواطن القيامة حيث اشتد إِياسهم أَو ختم على أَلسنتهم وأَقرت جوارحهم ، وفى موطن هذا رأَوا ما للمؤمنين من الخير فقالوا

﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ ظنا أَن الإِنكار ينفعهم ، واشهادة الأُولى فى الآية إِخبار باعترافهم والثانية تخطئة لرأَيهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٩١٩