سورة الأنعام · الآية ١٤٨ من ١٦٥

‹ السورة السابقة
سَیَقُولُ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ لَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَاۤ أَشۡرَكۡنَا وَلَاۤ ءَابَاۤؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَیۡءࣲۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمࣲ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَاۤۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ١٤٨
الرسم الإملائيّ

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ

الجزء ٨الربع ٥٩ صفحة ١٤٨

تفسيرها

[سورة الأنعام — آية 148]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ إخبار بما سيولونه : ﴿ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ ولكن شاء ، فهذا عذرنا ، يعنون أن شركهم وشرك آبائهم ، وتحريمهم ما أحل الله بمشيئة الله ، ولولا مشيئته لم يكن شيء من ذلك ؛ فعيرهم الله بذلك من حيث إنه لم يجبرهم بذلك ، ولو ثبت الجبر لبطل العقاب والثواب ولم يكن ثم اختبار ، ولو كان كذلك لكان العقاب والثواب على فعله لا على فعالهم ، كلا ، بل ليس عذر لعاصي ، وقد قال : ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ﴾ أي : كتكذيبهم إياك كان تكذيب المتقدمين رسلهم ، وتشبَّثوا بمثل هذا فلم ينفعهم ذلك ، ﴿ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا ﴾ حتى ذاقوا (لعله) تحسَّوا الموت ، ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ من أمر معلوم ، حتى يصحَّ الاحتجاج به فيما قلتم : إن الله جبركم على فعالكم ، ﴿ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ﴾ فتظهروه وتبينوه لنا ؛ ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ تكذبون على الله وفيه دليل على المنع باتباع الظن سيما في الأصول .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٣٧

[سورة الأنعام — آية 148]

قوله : ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ﴾ أي ما حرّموا على أنفسهم من الأنعام والحرث . قال مشركو العرب : لو كره الله ما نحن عليه لحوَّلَنا عنه .

قال الله : ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ﴾ أي عذابنا ، يعني من أهلك منهم من الأمم السالفة حين كذَّّبُوا رسلهم ، فقال الله للنبي عليه السلام : ﴿ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ ﴾ أن الذي أنتم عليه من الشرك أني أمرتكم به ﴿ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ ﴾ أي : إِنْ هذا منكم إلا ظن . ﴿ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ أي تكذبون .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٣٧

[سورة الأنعام — آية 148]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَئٍ ﴾ فنزلت بعد هذا آية النحل . أَو أَرادوا أَنهم أَشركوا وحرموا استقلالا منهم بلا خذلان من الله لكن علم ذلك منهم ولم ينههم عنه إِجباراً فذلك رضى من الله عليهم فى ذلك زاعمين أَن ذلك شرع من الله لهمن وكلا الوجهين كفر . وعطف آباؤُنا على الضمير المتصل المرفوع المحل للفصل بلا لأَن الفصل يسيغ ذلك قبل العاطف أَو بعده نحو جئت وراطباً زيد بعاطف زيد على التاء للفصل بحال من زيد . وزاد فى النحل من دونه مرتين ونحن لا هنا لأَن الإِشراك مغن ذكر من دونه لأَنه متضمن للتحريم من دون الله ، وأَسقط نحن تبعاً للتخفيف بخلاف ىية النحل فإِنها فى العبادة والعبادة لا تستنكر وإِنما المستنكر كونها لشئ مع الله ولا تدل على تحريم شئ كما يدل عليه أَشرك فناسب ذكر من دونه وناسب استيفاء الكلام فيه ذكر نحن وليست الآية اعتذاراً منهم إِلى الله عز وجل فى أَنهم فعلوا قبيحاً فانهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعاً ، يتقربون بعبادة الأَصنام إِلى الله عز وجل ، بل ادعوا أَن الله عز وجل لو شاءَ عدم إِشراكنا وعدم تحريمنا لم نشرك ولم نحرم ولما أَشركنا وحرمنا علمنا أَن الله رضى بذلك . وهؤلاء المشركون كالمعتزلة فى اعتقاد أَن الله لا يريد الفكر ، ولما وقع منهم علموا أَن الله شاءَه ولما شاءَه علموا أَنه جائز لأَنه لا يرد المحرم ، وفى ذلك أَيضاً لأَن ما شاءَ الله يقع ولا يتخلف والنبوءَة لا ترده فلا حاجة إِليها . ويدل لذلك قوله ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ كذب الأُمم السابقة أَنبياءَهم فى تحريم الإِشراك وتحريم القول بما لم يقله الله كما كذبك قومك فى ذلك ولما أَرادوا الاعتذار عن ذلك معترفين بقبحه لم يصح الوصف بالتكذيب وإِنما صح التكذيب لدعواهم أَن ذلك مشروع من الله حاشاه ، وذلك تهديد لهم أَفصح به قوله تعالى ﴿ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا ﴾ وإِنما صحت كلمة حتى لأَن المعنى داموا على التكذيب حتى ذاقوا ، وهذا اعتبار لما فى حتى الابتدائية من ظرف الغاية ، فلو جعلناها لمجرد التفريع كالفاء بقى كذب على ظاهره أَى كذبوا فذاقوا ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهم ﴿ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ ﴾ أمر معلوم ، يكون حجة فى إِباحة الإِشراك والتحريم ﴿ فَتُخْرِجُوُه ﴾ تظهروه ﴿ لَنَا ﴾ كما أَظهرنا لكم الأَمر المعلوم الذى هو حجة من الله عز وجل ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ ﴾ ما تتبعون فى إِشراككم ﴿ إِلاَّ الظَّنَّ ﴾ إِلا ترجيحاً لأَمر عندكم ظاهر مع أَنه ليس ظاهراً ، بل هو باطل ، ولا يقين لهم فى جواز الإِشراك والتحريم ، وذلك أَن الظن تجويز أَمرين؛ أَحدهما ظاهر عند المجوز ، والآخر غير ظاهر ، والأُولى أَن الظن ترجيح أَحد جائزين ، والآية تحريم للظن فيما فيه قاطع ، وذلك فى جميع ما يؤخذ ديانة مما يقطع فيه العذر ، ولا يسوغ فيه الخلاف ، وإِذا لم يعارض قاطع ظنى أَو عقلى جاز الظن للمجتهد ، أَعنى أَنه يجتهد فى بعض أَحكام الفروع .

﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ ﴾ تكذبون فى ذلك ، يعنى أَن ذلك ظن عندهم ، كذب فى نفس الأَمر ، ففى الاية أَن الكذب لا يشترط فيه العمد ، بل هو الإِخبار بخلاف الواقع اعتقد أَنه خلافه أَم لم يعتقد ، ويحتمل هنا اعتبار تساهلهم فى الظن ، ففيه طرف من تعمد الإِخبار بخلاف الواقع ، أَو الخرص التقدير بمجرد الهوى .

افتحه في القارئ · صفحة ٩٣٧