ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ یَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا یَعۡرِفُونَ أَبۡنَاۤءَهُمُۘ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ٢٠
الرسم الإملائيّ
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الجزء ٧الربع ٥٢ صفحة ١٣٠
تفسيرها
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ استفهام يتضمن معنى النفي ، أي : لا حد أظلم لنفسه ، والظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، وأشنعه اتخاذ المخلوق معبودا ، وهو من الكذب قولا أو فعلا أو اعتقادا ؛ ومن عصاه ، فكأنما قد اتخذ غيره معبودا في المعنى ، لأنه اتخذ إلهه هواه ، ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى ﴾ اختلق ﴿ عَلَى اللّهِ كَذِباً ﴾ فيصفه بما لا يليق به ، أو فعل فعلا يناقض الإيمان به ، ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴾ لأنه في المعنى سواء كذب على الله ، أو كذَّب بآياته ؛ لأن المكذب كاذب ، والكاذب مكذَّب ؛ وآياته : حججه الواضحات ، سواء كانت من التنزيل أو التأويل ، أو حجة العقل ، ﴿ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ لا سبيل لهم إلى الفلاح ، لأنهم لم يقصدوا سبيله وإنما قصدوا سبيل الظلم والهلاك .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٠٩
ثم قال : ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني مشركي أهل مكة .
لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام : إن الله أنزل على نبيّه وهو بمكة أن أهل الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، فكيف هذه المعرفة يا ابن سلام؟ قال : نعرف نبي الله للنعت الذي نعته به إذا رأيناه كما يعرف أحدنا ابنه إذا رآه مع الغلمان؛ والذي يحلف به عبد الله بن سلام ، لأنا بمحمد أشد معرفة مني بابني ، فقال عمر : كيف ذلك؟ قال عرفته بما نعته الله لنا في كتابنا ، وأشهد هو نبي الله ، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه . فقال له عمر : وفَّقك الله ، فقد أصبت وصدقت .
وقال بعضهم : يعرفون أن الإِسلام دين الله ، وأن محمداً رسول الله . قوله : ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني من كفر من أهل الكتاب .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٠٩
﴿ وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾ لا يعجز عن شئ ، كل ما سواه مغلوب له وذيل له ، والفوقية علو شأْن لا حس ، تعالى الله عن الجهة ، والجملة استعارة تمثيلية لعلو شأْنه تعالى ، والاستعارة فى فوق بأَن شبه الغلبة بمكان محسوس ، وقيل : كنى عن القهر والعلو ، باغلبة ، وفوق متعلق بقاهر ، أَو حال من ضميره ، أَو خبر ثان ، وذلك عبارة عن كمال القدرة كما أَن قوله تعالى ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الخَبِيرُ ﴾ عبارة عن كمال العلم ، فإِن الحكيم لا يكون إِلا عالما فى تدبيره وأَمره محققا ، والخبير العليم ببواطنهم كظاهرهم سواء ، قال الجيلانى : من أَراد السلامة فى الدنيا والآخرة فعليه بالصبر والرضا وترك الشكوى إِلى خلقه ، وإِنزال حوائجه بربه عز وجل ، ولزوم طاعته وانتظار الفرج منه تعالى ، والانقطاع إِليه ، فحرمانه عطاءَ ، وعقوبته نعماء وبلاؤه دواء ووعده حال ، وقوله فعل ، وكل أَفعاله حسنة وحكمة ومصلحة ، غير أَنه عز وجل طوى علم المصالح عن عباده وتفرد به ، فليس لك إِلا الاستقلال بالعبودية من أَداءِ الأوامر واجتناب النواهى والتسليم فى القدر وترك الاشتغال بالربوبية والسكوت عن : لم وكيف ومتى ، ولما قال أَهل مكة : يا محمد أَرنا من يشهد أَنك رسول الله فإِنا لا نرى أَحداً بصدقك ، ولقد سأَلنا اليهود والنصارى فأَنكروك وقالوا ليس لك عندهم ذكر ولا صفة نزل قوله تعالى :
﴿ قُلْ أَىُّ شَئٍْ أَكْبَرُ شَهَادَةً ﴾ أَى موجود من الموجودات ، فإِن الشئَ يطلق على من وجد وفنى أَو يفنى أَو سيوجد لا علَى غير ذلك وأَصله مصدر شاءَ ، أَى ما شاءَ الله وجوده أَو ما شِئَ وجوده ﴿ قُلِ اللهُ ﴾ أَى هو الله ، أَى إِن الشئَ الأَكبر شهادة هو الله ، والله هو ، أَى الله ذلك الأَكبر شهادة لا محيد لهم عن أَن يقولوا هو الله ، فقله أَنت ، أَو قلة إِن لم يقولوه على حد ما مر فى ﴿ لمن ما فى السموات والأَرض قل لله ﴾ وذلك هو الجواب ، وقوله ﴿ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ﴾ خبر لمحذوف ، أَى هو شهيد بينى وبينكم ، وهو تقرير لقوله : قل الله ، وبيان لمتعلق الشهادة بعد إِجمالها ، سألهم عن الأَكبر شهادة فى مطلق الأَخبار ، وأَجاب الله إِجمالا وفصل بهذا بأَنه تعالى شهيد بينه وبينهم بالرسالة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ويجوز أَن يكون الله شهيد مبتدأ وخبر كجواب من حيث المعنى؛ لأَنه إِذا كان الله شهيدا فهو الأَكبر شهادة عندهم أَيضا الذى سأَلوا عنه ، أَو أَجاب بما هو أَليق بالسؤال عنه ، ويسمى الأسلوب الحكيم ، وشهادة الله عز وجل إِخبار بأَنه رسول صلى الله عليه وسلم ، واقتصر على ذلك فى الجواب لأَنه حق واضح لا محيد عنه مفهوم عند بعضهم مجحود ، وسهل الإِدراك لمن استعمل نظره ، والقرآن معجز أَيضا لم يقدروا على معارضته ، أَو بشهادة الله عز وجل معجزاته ، فإِن الإِعجاز كما يكون بالقول يكون بالفعل ، لأَن حقيقته ما بين به المدعى بل بيانه بالفعل أَقوى منه بالقول لعروض الاحتمال فى القول لأَنه من باب العيان والقول من باب الأَخبار ، ولو كان فى التشريع أَقوى من الفعل لأَنه يعدو القائل ، فالاحتجاج بقول عالم أَقوى منه بفعله ، وكرر بين لتحقيق المقابلة ، ولو شاءَ لقال بيننا ، وفى الآية تسمية الله شيئا لأَنه فى جواب أَى شئ ، لكن يقال شئ لا كالأَشياء ، أَو لا كسائر الأَشياء ، والحق أَن الشئَ يطلق على ما وجد فى الحال وفى الماضى وفى المستقبل ، وما ليس من ذلك لا يطلق عليه الشئ إِلا مجازا ، وكذا فى قوله تعالى
﴿ كل شئٍ هالك إِلا وجهه ﴾ دلالة على أَن الله عز وجل شئ لا كالأَشياءِ ، وأَما قوله تعالى ﴿ ولا تقولن لشئٍ إِنى فاعل ﴾ فالاطلاق فيه على تقدير وجوده كما أَطلق عليه بالجزم بالوجود فى قوله تعالى ﴿ إنما قولنا لشيءٍ إِذا أَردنا أَن نقول له كن فيكون ﴾ وقيل : لا يطلق الشئ على ما لم يوجد وسيوجد أَو وجد وفنى إِلا مجازا ، وقيل حقيقة ، ولو بقى المستحيل كما روى عن أُم سلمة ومعاذ بن جبل أَنه سأَل رجل رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عن شئ تحدثنى نفسى به ولو تكلمت به لأَحبطت أَجرى فأَجابه بأَنه لا يقول سؤالك هذا إِلا مؤمن ، وقال الله تعالى : ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ﴾ وظاهره أَنه قبل الخلق ليس شيئا ، الجواب أَنه أُريد شيئا موجودا ، بل شئ سيوجد ﴿ وَأُوحِىَ إِلىَّ هَذَا القُرآنُ لأُنْذرَكُمْ ﴾ يا أَهل مكة ، وغيرهم كذلك ، أَو الخطاب لكل من وجد حال النزول ﴿ بِهِ ﴾ ناطقا بالحجة زائدة على ما رأَيتم من المعجزات المحسنات ، والتقدير لأَنذركم به ، ولأُبشركم إِن آمنتم به ، واقتصر اللفظ على الإِنذار لأَن الكلام مع الكفار ، والإِيحاء إِليه صلى الله عليه وسلم حجة احتج بها عليهم قرر بها شهادة الله فى قوله شهيد بينى وبينكم ﴿ وَمَنْ بَلَغَ ﴾ عطف على الكاف ، والضمير فى بلغ للقرآن أَى ولأنذر به من بلغ إِلى يوم القيامة ، أَو من بلغ الحلم ، أَو عطف على المستتر فى أنذر للفصل بالمفعول به ، أَى ولينذر من بلغه القرآن بعدى من عاصره ، ومن بلغه القرآن فكأَنه رأَى النبى صلى الله عليه وسلم وسمع منه كما قال محمد بن كعب القرظى ، قال ابن جرير : من بلغه القرآن فكأَنما رأَى محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأَخرج أَبو نعيم عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم : « من بلغه القرآن فكأَنما شافهته »
، وأَحكام القرآن تعم كل من بلغه ، ولا يؤخذ بها من لم تبلغه إِن كان على دين نبى ، والآية دليل على أَن أَحكامه تعم من يأْتى إِلى يوم القيامة ، فقالت الحنابلة ذلك بطريق العبارة فى الكل ، وقالت الحنفية بالإِجماع فى غير الموجودين حال النزول ، وروى أبى بن كعب أَنه أَتى صلى الله عليه وسلم بأَسارى فقال : هل دعيتم إِلى الإِسلام ، فقالوا : لا ، فخلى سبيلهم ، وقال النحام بن زيد قردم بن كعب وبحرى بن عمروك يا محمد ما نعلم مع الله إِلهاً غيره ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا إِله إِلا الله ، بذلك بعثت ، وإِلى ذلك أَدعو » ، فنزل قوله تعالى ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى ﴾ إِنكاراً لصحة الشهادة وتصريح ببطلانها ، وذلك تقريع لهم واستبعاد وتوبيخ وإِلجاء إِلى الإِقرار بأَنهم أَشركوا ولا يجدون إِنكارا لإِشراك ﴿ قُلْ لاَ أَشْهَدُ ﴾ بأَن مع الله آلهة أُخر ، ولا إِلهين معه ، ولا إِله معه ، أَى لا أَشهد بالشركة ، فإِن المعبود لا يتعدد وإِنما ذكر الله سبحانه وتعالى تعدد الآلهة لأَنه معتقدهم ﴿ قُلْ إِنَّمَا هُوَ ﴾ أَى الله ﴿ إِلهٌ وَاحِدٌ ﴾ لا إِله معه ، وإِنما للحصر وما كافة ، ويجوز أَن تكون موصولة أَو موصوفة بجملة هو إِله ، فيكون خبر إِن هوقوله واحد ، أَى إِن الشئ الذى هو إِله هو واحد لا متعدد ، أَو إِن شيئا هو إِله هو واحد لا متعدد ، ومع ضعف الوجهين ورجحان كون ما للحصر كما هو المتعين فى قوله تعالى ﴿ إِنما الله إِله واحد ﴾ قد يكونان أَليق بما قبل لأَن فيهما مساق الحجة والبرهان ، أَى لا أَشهد لأَن ما استحق الأُلوهية لا يقبل التعدد ﴿ وَإِنَّنِى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ أَى من إِشراككم ، أَ من أُلوهة ما تشركونه من الأَصنام ، ويستحب لمن أَسلم أَولا أَو كرر الشهادة أَو يقول عقب ذلك وإِننى برئٌ من الإِشراك ومن كل دين سوى دين الإِسلام ، ولما أَنكر اليهود والنصارى أَن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر أَو صفة فى التوراة والإِنجيل ولا غيرهما بالنبوءَة وأَنكروه نزل قوله تعالى :
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أَى يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى التوراة والإِنجيل بأَسمائه وصفاته ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ أَنهم أَبناؤُهم بمعاينة الولادة أَو المعاشرة أَو الشبه بهم ، ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر رضى الله عنه لعبد الله بن سلام رضى الله عنه : أَنزل الله هذه الآية فما هذه المعرفة؟ فقال يا عمر لقد عرفته فيكم حيث رأَيته كما أَعرف ابنى ، ولأَنا أَشد معرفة بمحمد صلى الله عليه ولم منى بابنى ، لأَنى لا أَدرى ما صنعت النساء ، ويروى : ما أَحدثت أمه ، ويروى : ما فعلت اليهودية ، وأَشهد أَنه حق أرسل من الله تعالى ، ويجوز عود هاء يعرفونه للقرآن لتقدم ذكره ، وعودها للتوحيد العلوم من قبل ، فيكون فيه تعريض بشرك أَهل الكتاب بإِنكار نبوءَة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإِنكار القرآن كما أَشركت النصارى بالمسيح وأُمه ، واليهود بعزير ، وغير ذلك ، وعودها إِلى كتابهم ، أَو إِلى ذلك كله بتأْويل ما ذكر ، والمتبادر ما مر أَولا ، ولا سيما أَن تشبيه الإِنسان بالإِنسان أَولى من تشبيه غير الإِنسان بالإِنسان ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ من أَهل الكتاب وغيرهم مبتدأ خبره قوله ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ زيد فيه الفاء لشبه الذين باسم الشرط أَو نعت للذين آتيناهم الكتاب ، أَو يقدر هم الذين ، أَو أَذم الذين ، وعلى الثلاثة الآخرة الفاء عاطفة على الجملة الاسمية قبل ، ولا سببية فى الفاء ، وهو قليل ، وإِن عطفنا على خسر فوجه السببية أَن خسروا بمعنى ضيعوا النظر بعقولهم ، أَو قضى عيهم بتضييع ما لهم فى الجنة ، فانتفى إِيمانهم ، وهذا الوجه هو وجه السببية فيما إِذا جعلنا الجملة خبرا للذين .
افتحه في القارئ · صفحة ٨٠٩