وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ كِتَٰبࣰا فِی قِرۡطَاسࣲ فَلَمَسُوهُ بِأَیۡدِیهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِنۡ هَٰذَاۤ إِلَّا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ٧
الرسم الإملائيّ
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
الجزء ٧الربع ٥١ صفحة ١٢٨
تفسيرها
﴿ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ ﴾ أي : بما هو أعظم آية وأكبرها وهو القرآن ، ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أ] : أنباء الشيء الذي كانوا به يستهزئون ، وهو القرآن ، أي : أخباره وأحواله ، يعني : سيعلمون بأي شيء استهزؤوا ، وذلك عند خروج أرواحهم ، أو يوم القيامة ، ﴿ أَلَمْ يَرَوْا ﴾ يعني : المكذبين ﴿ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ ﴾ هو مدة انقضاء كُل أهل عصر ، ﴿ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ﴾ التمكين : التمليك ، أي : لم يعطوا كما أعطي من تقدَّم من البسطة في الأجسام والسعة والأموال ، والاستظهار بأسباب الدنيا ، ﴿ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ ﴾ أي : عاشوا في الخصب بين النهار والثمار ، وسقنا الغيث المدرار ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ ﴾ ولم يغن ذلك عنهم شيئا ، لأنهم لم يريدوا به الله ؛ ﴿ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ﴾ وخلقنا من بعد هلاكهم أمة أخرى ، وفيه دلالة على أنه سبحانه لا يتعاظمه أن ينفي عالما ، وينشئ عالما آخر ، كقوله : ( ولا يخاف عقباها ) ، ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ ﴾ كتابا من عند الله ، ﴿ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ أي : عاينوه ومسُّوه بأيديهم ، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة ، لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من الرؤية ، (لعله) فالسحر يجري على المرئي ، ولا يجري على الملموس بأيديهم . ﴿ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ تعنتا وعنادا للحق بعد ظهوره لأن نور البصيرة أعماها ملازمة الهوى ، فلم يستطيعوا أن يبصروا بها الحق .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٩٦
قوله : ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ قال بعضهم : فعاينوه معاينة ومسّوه بأيديهم . وذلك أنّهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بكتاب يقرأونه؛ قالوا لن نؤمن بك حتى تنزّل علينا كتاباً نقرأه من الله إلى فلان بن فلان ، إلى كل رجل باسمه واسم أبيه أن آمن بمحمد فإنه رسولي . ﴿ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي بيّن .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٩٦
﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا ﴾ نزلنا بمرة وهو المتبادر لأَنه أَقنع لهم ، أَو أَنزلنا شيئا فشيئا لمزيد المشاهدة وتكرها ﴿ عَلَيْكَ كِتَابا ﴾ أَى كلاما مكتوبا ، أَو خطا مكتوبا هو القرآن أَو أَنك رسول ، وليس المراد ما يكتب فيه الكلام لأَنه يبقى قوله ﴿ فِى قِرْطَاس ﴾ بلا فائدة ، فالقرطاس ما يكتب فيه من جلد وكاغد - بفتح الغين وبدال مهملة ، وقد يعجم - ومن غير ذلك ، وذكر بعض أَنه لا يقال قرطاس إِلا إِذا كان مكتوبا ، ولا يصح حمل الآية عليه لأَنه يبقى قوله كتابا ، أَى كلاما مكتوبا ، بلا فائدة ، عكس ما مر ﴿ فَلَمَسُوهُ ﴾ أَى القرطاس مع الخطوط فيه ، أَو لمسوا الكتاب أَى الخط ، وخص اللمس لأَنه أَنفى بعد الماينة للريبة من النظر والمسع ، وأَما الإِدراك الذى يكون بالفم والشم فلا يليق بالمقام ، والسحر يجرى على المرئى ، أَى أَكثر مما يجرى على الملموس ، ولو اقتصر على النظر لقالوا : إِنما سكرت أَبصارنا بل نحن قوم مسحورون ، وذكر الأَيدى فى قوله ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ لأَن اللمس أَقوى من المس بسائر البدن ، وأَنه قد يطلق للمس على التفحص عنشئ كقوله تعالى ﴿ وأَنا لمسنا السماءَ ﴾ وقد قيل : اللمس يختص باليد ، وقيل هو أَعم كالمس ، فذكره تحرز أَو تأْكيد ﴿ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ مقتضى الظاهر لقالوا ، وضع الظاهر موضع الضمير ليصرح بكفرهم ، ويشير إِلى أَن كفرهم لا يؤثر معه برهان يحس ، ولو باليد ، وإِن شأنهم الإِعراض عناداً وتعنتا . قال النضر بن الحارث وعبد الله ابن أَبى أُمية ونوفل ابن خويلد لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله تعالى ، ومعه أَربعة من الملائكة يشهدون أَنه من عند الله وأَنك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال الله سبحانه : لو فعلنا ذلك وزدنا مسهم إِياه بأَيديهم ، وقيل : طلبوا المس أَيضا لقالوا ﴿ إِنْ هَذَا ﴾ ما هذا الكتاب أَو القرطاس الشاهد عليه أَربعة أَملاك ، أَو المذكور منه ومن الأَربعة ﴿ إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ صرف أَعيننا وأَسماعنا ولمسنا عن حالها المحققة .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٩٦