سورة الطلاق · الآية ١ من ١٢

‹ السورة السابقة
یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِی لَعَلَّ ٱللَّهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرࣰا١
الرسم الإملائيّ

يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا

الجزء ٢٨الربع ٢٢٣ صفحة ٥٥٨

تفسيرها

[سورة الطلاق — آية 1]

}يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴿ خص النداء وعم الخطاب بالحكم، لأنه إمام أمته، فنداؤه كندائهم، لأن الكلام معه والحكم يعمهم، والمعنى: إذا أرتم تطليقهن، على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه، ﴾فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴿ أي: وقتها، وهو الطهر، ﴾وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴿ واضبطوها، ﴾وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴿ من مساكنهن وقت الفراق، حتى تنقضي العدة، ﴾وَلَا يَخْرُجْنَ﴿ باستدادهن ]أ[ ما لو اتفقا على الانتقال جاز، إذ الحق لا يعدوهما، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحاقها السكنى ولزومها، ﴾إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ{ والمعنى: إلا أن تبذو على الزوج، فإنه كالنشور في إسقاط حقها؛ أو إلا أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها؛ »قيل: إذا شتمته وآذته وساء خلقها«، هكذا يوجد في الجامع. »وقيل: إنه الزنا، وقيل: إذا فحشت له القول، وقع ذلك موقع الفاحشة«، هكذا في جامع أبي سعيد.

}وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴿ الإشارة إلى الأحكام المذكورة، ﴾وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴿ بأن عرضها للعقاب، ﴾لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1){ وهو الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٢١٨

[سورة الطلاق — آية 1]

تفسير سورة الطَّلاق ، وهي مدنية كلها

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قوله تعالى : ﴿ يَآ أَيُّهَا النَّبِيِّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ يعني النبي وجماعة المؤمنين . قال بعضهم يطلقونها في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع .

ذكروا عن الحسن قال : كان الرجل إذا أراد أن يطلق امرأته استقبل طهرها ، ثم دعا شاهدين فأشهدهما على طلاقها واحدة ، وقال لها اعتدّي . ثم يلوم نفسه فيما بينه وبين انقضاء عدتها . فإن كان له بها حاجة دعا شاهدين فأشهدهما أنه قد راجعها ، وإن لم تكن له بها حاجة تركها حتى تنقضي عدتها ، فإن ندم كان خاطباً مع الخطاب . وبلغنا عن ابن مسعود نحو ذلك .

ذكروا عن الحسن وابن سيرين قالا : كان يقال : من طلق طلاق السنة لم يندم على امرأة فارقها؛ يقولان : ينبغي له أن يطلق امرأته واحدة ، ولا يطلقها ثلاثاً .

ذكر بعضهم أن النبي عليه السلام طلق حفصة تطليقة؛ فأتاه جبريل عليه السلام فقال له : راجعها فإنها صوّامة قوّامة ، فهي زوجتك في الجنة ، فراجَعَها .

قال بعضهم : طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته في قُبُل عدتها طاهراً من غير جماع تطليقة واحدة ، ثم يدعها . فإن شاء راجعها قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة . فإن شاء أن يطلقها ثلاثاً طلقها أخرى قُبُلَ عدتها طاهراً من غير جماع ، ثم يدعها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها ، ثم لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره .

ذكروا عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض ، فسأل عمر النبي عليه السلام فقال له : مره أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر من حيضة سوى الحيضة التي طلقها فيها ، فإذا طهرت فإن شاء أمسكها وإن شاء طلقها فإن أراد أن يطلقها فلا يقعن عليها عند طهرها فإن هذه العدة التي امر الله بها . قال بعضهم : فإن ابن عمر طلق امرأته واحدة .

ذكروا عن يونس بن جبير قال : قلت لابن عمر : رجل طلق امرأته وهي حائض . قال : أتعرف عبد الله بن عمر؟ قلت : نعم . قال : فإنه طلق امرأته وهي حائض . فأتى عمر النبيَّ عليه السلام فأخبره ، فأمره أن يراجعها . فإن بدا له في طلاقها طلّقها قُبُلَ عدّتها ، أي : قبل طهرها . قلت : أفتعتد بتلك التطليقة؟ قال : أرأيت إن عجل واسْتَمْحَق؟ .

ذكروا عن عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر يقرأ هذا الحرف : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ ﴾ .

ذكروا عن الحسن قال : الرجل لا يستأذن على مطلقته ، ولكن يضرب برجله وينحنح . وقال بعضهم : يتنحنح ويسلم ولا يستأذن عليها ، وتتشوف له وتتصنع ، ولا يرى لها رأساً ولا بطناً ولا رجلاً ، ولكن ينام معها في البيت .

ذكروا عن علي قال : يستأذن الرجل على كل امرأة إلا امرأته .

ذكر بعضهم قال : التي لم تحض ، والتي قعدت عن المحيض تطلق عند كل شهر عند الهلال .

ذكروا عن جابر بن عبد الله في الحبلى يريد زوجها أن يطلقها فقال : لا أراها تحيض فتعتَدّ ، ولو كنت مطلقَها فحتى تضع . والعامة تقول : إذا استبان حملها طلقها متى شاء .

قال بعضهم في الغائب يطلّق امرأته : إنه يكتب إليها : إذا حضتِ ثم تطهرتِ من محيضِك فاعتدّي . فإن كانت حاملاً فاستبان حملها كتب إليها بطلاقها . وإذا طلقها بعض الطلاق ، وكانت تعتد ، ثم أتبعها طلاقاً ، فإنها تعتد من أول طلاقها .

قوله عز وجل : ﴿ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتََّقُواْ الله رَبَّكُمْ ﴾ أي : فلا تطلقوهن في الدم ولا في الطهارة وقد جامعتموهن ، إلا في الطهارة بعد أن يغتسلن من المحيض من قبل أن تجامعوهن .

قوله عز وجل : ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ولاَ يَخْرُجْنَ ﴾ لا تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها ، وإن طلقها ثلاثاً في قول العامة . وفي قول ابن عباس والحسن إن شاءت خرجت إذا طلقها ثلاثاً ، وإذا توفي عنها زوجها أيضاً .

معنى قولهما : تعتد منه وإن طلقها اثنتين أيضاً . ومعنى قول العامة أنها في المطلقات اللاتي دخل بهن لا يخرجن حتى تنقضي عدتهن .

وهذا الخروج ألا تتحول من بيتها . فإن احتاجت إلى الخروج بالنهار لحاجتها خرجت ولا تمسي إلا في بيتها .

ذكروا عن فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي عليه السلام وقد أَبَتَّ زوجُها طلاقها فقال لا سكنى لك ولا نفقة .

ذكروا عن عمر أنه قال : ما كنا لنأخذ بقول امرأة لعلها وهمت ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لها السكنى والنفقة .

ذكروا عن ميمون بن مهران قال : سألت ابن المسيب عن أشياء فقال : إنك تسأل سؤال رجل يمتحن ، فهل خالفت في شيء مما سمعت ما سمعت من غيري . قلت : لا ، إلا قولك في المطلقات إنها لا تنتقلن فما بال حديث فاطمة بنت قيس . فقال : ويح تلك المرأة ، كيف فتنت الناس . قلت : إن كان أفتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فما فتنت .

قوله عز وجل : ﴿ إِلاَّ أَن يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ ذكروا عن نافع عن ابن عمر قال : [ الفاحشة المبيّنة خروجها في عدتها . وقال بعضهم ] : الفاحشة : الزنا ، والمبيّنة أن يشهد عليها أربعة أنها زنت .

وكانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة أخرجت من بيت زوجها ، وحبست في بيت آخر قبل أن ينزل حد الزاني ، وهو قوله عز وجل : ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةََ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً ﴾ [ النساء : 15 ] فنسخ ذلك في هذه الآية : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور : 2 ] .

وبعضهم يقول : ﴿ إِلاَّ أَنْ يَّأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ أي : تزني فتخرج فيقام عليها الحد .

وبعضهم يقول : الفاحشة المبيّنة : النشوز البيّن .

قوله عز وجل : ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ أي : أحكام الله . وقال الكلبي : هذا حد الله ، بيّن فيه طاعته ومعصيته . قوله عز وجل : ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله ﴾ أي يجاوز ما أمر الله به ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .

قوله عز وجل : ﴿ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ﴾ أي : المراجعة ، رجع إلى أول السورة : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ ﴾ أي : له الرجعة في التطليقة والتطليقتين ما لم تنقض العدةُ فتغتسل من الحيضة الثالثة إن كانت ممن تحيض ، أو ثلاثةُ أشهر إن كانت ممن لا تحيض ، كبيرة قعدت عن المحيض ، أو صغيرة لم تحض بعد . وكذلك الضهياء التي لا تحيض .

﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [ البقرة : 283 ] .

قال عز وجل : ﴿ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً ﴾ . تفسير الحسن : يجعل له مخرجاً من الشرك إذا تاب ، ويغفر له ما مضى . ذكروا عن الأعمش قال : إن المخرج أنه مِن قِبَل الله ، وأنه هو الذي يعطيه ويمنعه . قال عز وجل : ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ أي : من حيث لا يرجو .

قال : ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ ﴾ أي : قاض أمره على من توكل عليه وعلى من لم يتوكل عليه . ﴿ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ﴾ أي : منتهى ينتهي إليه .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٢١٨

[سورة الطلاق — آية 1]

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم . يَا أيُّهَا النَّبِىُّ ﴾ أى والمؤمنون فذلك من باب الاكتفاء ، بدليل قوله تعالى ﴿ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ بضمير الجماعة ، فهو للنبى - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين . أو الضمير للنبى - صلى الله عليه وسلم - لتعظيمه فلا يقدر المؤمنون كقوله تعالى : ﴿ رب ارجعون ﴾ فى وجه . وقال الشاعر :

لا فارحمونى يا إِله محمد … وعليه فحكم المؤمنين تبع له - صلى الله عليه وسلم - ، وحكم الأمة حكمه إِلا ما خص به . أو يقدر القول هكذا : يا أيها النبى . قل إِذا طلقتم النساء . أو ناداه وخاطبهم وقدم النداء لينتبه لهم ، ويراعيهم كمن أحضر قائماً على عماله وأمرهم بالعمل بحضرته ، وليس ذلك مما منع من خطابين بكلام واحد لأَن النداء كلام وما بعده كلام ، وإِنما ذلك كقوله تعالى :

﴿ يوسف أعرض عن هذا واستغفرى لذنبك ﴾ لما كان إِمام أمته - صلى الله عليه وسلم - خصه بالنداء ، وعم الخطاب بالحكم لأَنهم لا يصدرون إِلا عنه ، كما يقال لرئيس القوم يا فلانى افعلوا كذا إِظهاراً لتقدمه وصدورهم بأَمره . والمراد إِذا أردتم تطليق النساء ، فعبر عن الإِرادة بالتطليق لأَنها سببه وإِلا لزم تحصيل الحاصل لقوله تعالى : ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ وهو محال ، أو لزم تطليق آخر وهو غير مراد وذلك من باب المشارفة كقوله - صلى الله عليه وسلم - من قتل قتيلا فله سلبه . ومن ذلك كان الماشى إِلى الصلاة والمنتظر لها مثل المصلى فى الثواب ، وأما أن يقال إِذا صدر منكم تطليق فليكن لعدتهن فليس كافياً لأَنه كلفظ الآية يحتاج للتأويل لأَنه إِذا صدر التطليق استحال طلب تكوينه لعدة مع أنه قد وقع بل يطلق طلاقاً أخر وليس مراداً ، بل يقال إِن أردتم صدور الطلاق واللام للتوقيت كقوله كتبته لثلاث بقين ، أو مستقبلات لعدتهن ، والكون الخاص إِذا علم جاز حذفه وذكره ، وإِذا لم يعلم وجب ذكره وإِذا حذف فمع ضمير . وأما العام فواجب الحذف وهو أبداً معلوم بالظرف ويحذف وحده وينتقل ضميره للظرف ويستتر فيه ، وذلك فى باب الحال كالصلة والصفة والخبر فى الحال أو فى الأَصل وتقدير مستقبلات أو لاستقبال بناء على ان العدة بالحيض لوجوب أن لا يكون الطلاق فى الحيض ، وإِذا كان فى الطهر فليس الطهر مدة تامة لمضى بعضه والسُنة الطلاق فيه قبل المس فيه ، والطلاق فى الحيض بدعة إِجماعاً وكبيرة على الأَصح ومضى على الأَصح ، وقيل لا يعتد به وكأنه غير واقع ، على أن النهى يدل على الفساد ويرده قوله - صلى الله عليه وسلم - « مُرهُ ليراجعها ويحصل القرء فى سورة البقرة على الحيض »

، وقد قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وابن عباس وابن عمر فى : ﴿ قِبل عدتهن ﴾ وعنهما وعن ابن مسعود : « لقبل عدتهن » . قال النووى فى شرح مسلم قراءة ابن عباس وابن عمر فى ﴿ قبل عدتهن ﴾ شاذة لا تثبت قرأناً إِلا بالإِجماع ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا . قلت وكذا قراءة « لقبل عدتهم » . ومن قال العدة بالإِظهار فسر القرء بالطهر ولم يقدر الاستقبال أو مستقبلات وعلق اللام بطلقوهن وهو مذهب الشافعى ، والأَول مذهبنا ، ومذهب أبى حنيفة .

طلق ابن عمر زوجه حائضاً فذكر عمر رضى الله عنه ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتغيظ فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال « ليُراجعها ثم يمسها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإِن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها » ، فتلك العدة التى أمر الله تعالى أن يُطلق لها النساء وذلك لئلا تطول العدة ، وإِنما شرط طهراً ثانياً بعد حيض ثان ليحصل حيض وطهر محضين لا كطهر من حيض وقع فيه الطلاق المنهى عنه ولئلا تكون المراجعة للطلاق ، كما يكره النكاح للطلاق ، وهذا إِستحباب ، فلو راجعها وطلقها أول الطهر الذى يلى الحيض الذى طلقها فيه لجاز ولم يكن بدعة ، وما تقدم رواية نافع عن ابن عمر .

وروى يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر مُره يراجعها ، فإِذا طهرت فإِن شاء طلقها وإِن شاء أمسكها ، فنقول كل طلاق لم يقع فى الحيض ولا فى النفاس فهو طلاق السنة إِن لم يكن ثلاثاً أو اثنين بمرة ، وقيل طلاق والآيسة والصغيرة وغير المدخول بها والتى لم تر الدم والحامل لا يكون بدعياً ولا سنياً . وإِن طلقها فى طهر بعد مس فيه فقيل عصى وكان بدعة لأَنه - صلى الله عليه وسلم - قال فى حديث ابن عمر قبل أن يمسها والخلع كالطلاق .

وقيل الخلع يجوز فى الحيض بلا بدعة ، لأَنه - صلى الله عليه وسلم - أذن لثابت بن قيس أن يخالع زوجه ولم يسأله أحائض هى أم طاهر ، وليس بشئ . ويرده أن الأَحاديث لم تبن على السؤال عن الأَحوال إِلا إِذا ادعى شئ أو ريب ولا سيما أنه قد شهر النهى عن الطلاق فى الحيض والفداء طلاق ، فالطلاق فى الطهر بعد المس فيه بدعة أيضاً وهى دون بدعة الطلاق فى الحيض ، والنفاس كالحيض . والشافعى يقول ( لقبل عدتهن ) أول الطهر وقبل الشئ ضد دبره ، ومن طلق ثلاثاً بلفظ واحد عصى وبانت عنه . وطلق رجل زوجه ثلاثاً فقال - صلى الله عليه وسلم - « فقال بانت بثلاث فى معصية الله تعالى وبقيت تسعمائة وسبعة وتسعون عدواناً وظلماً إِن شاء الله عذبه وإِن شاء غفر له »

، فالطلاق فوق الثلاث معصية وظلم لها ، وقيل الطلاق بلفظ واحد ثلاثاً أو اثنين طلاق واحد ، وحديث الصامت رد على ما شهر أن طلاق الثلاث واحد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وعنه - صلى الله عليه وسلم - : « أبغض الحلال إِلى الله الطلاق » ولفظ أبى داود وابن ماجه : أن من أبغض المباحات عند الله عز وجل الطلاق ، وفى رواية لأَبى داود : ما أحل الله تعالى شيئاً أبغض إِليه من الطلاق ، والشرع جاء بإِمساكهن ومجاملتهن ، قال - صلى الله عليه وسلم - : « أحسنكم عند الله أحسنكم إِلى عياله » ، أو قال : خيركم عند الله خيركم إِلى نسائه ، قاله لعبد الله بن رواحة أحد النقباء فرحاً بفعله إِذ لاين زوجه اتهمته بسرية له ليلة فأَنكر بمعرضة لا بكذب فقالت إِن صدقت فاقرأ القرآن فقال :

شهدت فلم أكذب بأَن محمداً … رسول الذى فوق السماوات من عل

وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عمل فى دينه متقبل

وأن التى بالجزع من بطن نخلة … ومن ذاتها كل عن الخير معزل

فقالت : زدنى . . . . فقال :

وفينا رسول الله يتلو كتابه … كما لاح معروف من الفجر ساطع

أتى بالهدى بعد العى فقلوبنا … به موقنات أو ما قال واقع

يبيت يجافى جنبه عن فراشه … إِذا رقدت بالكافرين المضاجع

فثقالت : زدنى . . . فأَنشد :

شهدت بأَن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا

وأن محمداً يدعو بحق … وأن الله مولى المؤمنينا

وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا

ويحمله ملائكة شداد … ملائكة الإِله مسومينا

فقالت أما إِذا قرأت القرآن فقد صدقتك إِذ صدق الله وكذب بصرى فأَخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - فتبسم فقال ما مر وقال أيضاً وجدتها فقيهة أى عالمة بأَن الجنب لا تجوز له قراءة القرآن .

﴿ وَأحْصُوا الْعِدَّةَ ﴾ اضبطوها ثلاثة قروء كوامل ، هذه حقيقة عرفية ، وأصل الإِحصاء العد بالحصى .

﴿ واتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ ﴾ إِحذروا تطويل العدة عليهن بأَن تطلقوهن فى الحيض فلا تبتدئ الحساب إِلا من طهر ثان بعد حيض ثان لهذا الحيض كما مر فى حديث ابن عمر ، والخطاب للأَزواج المطلقين ، ويجوز أن يراد باتقاء الله حذر أن يكون كلما شارفت انقضاء العدة طلقها فتستأْنف أُخرى بل كل ذلك . وأما ما ذكر من أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عمر أن يطلقها فى أول كل طهر فلا يصح لأَنه - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الطلاق فكيف يأْمر بتعديده من لم يطلب التعديد وإِنما أمره بواحدة غير التى كان قد أوقعها على غير شريعة ليكون قد طلقها للسُنة .

﴿ لاَ تُخْرِجُونُنَّ ﴾ سفهاً أو لبغضهن أو غضباً عليهن أو انتقاماً أو كراهة لمساكنتهن أو لحاجة أو أمر ما إِلا ما أذن الشرع فيه ، وشمل النهى التضييق عليهن بأَمر ما حتى يخرجن ، وشمل الإِشارة بالإِخراج .

﴿ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ من بيوت سكناهن فحذف المضاف أو أضاف البيوت إِليهن لأَنهن سواكن فيها وكأَنهن موالك لها ، وفى ذلك تأكيد للنهى عن إِخراجهن لاستحقاقهن السكنى كأَنها أملاكهن مع أنها أملاك للأَزواج أو غيرهم وإِن كانت أملاكاً لهن لم يتوهم أحد جواز إِخراجهن حتى ينهى عنه .

﴿ وَلاَ يَخْرُجْن إِلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ ولا ناهية أو نافية بمعنى النهى وهو أوكد من صريح النهى كأَنهن قد امتثلن ، وهو يخبر عن امتثالهن وخروجهن محرم لا يطلبنه ولا يأْذنوا لهن فيه ولا يخرجن ولو رضوا ، وسكناهن حق مؤكد لله تعالى لا يحل بالإِباحة وذلك مذهب الحنفية ، ومذهبنا ومذهب الشافعية جواز الخروج برضاه ورضاها بلا تضييق بعسر النفقة أو كلام السوء حتى تخرج بسبب ذلك ، وإِن السكنى حق لهن ، وعلى الأَول لو افتدت على أن لا سكنى لها اكترث البيت ولا تخرج منه ، هذا نص أصحاب هذا القول ، ولها الخروج لخوف إِنهدام أو غرق أو دابة مؤذية أو سرقة ، ولها الخروج نهرا لحاجة لها كبيع غزل أو شراء قطن أو صوف .

روى أن نساء قتلى أُحد توحشن فأَذن لهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتمعن فى بيت إِحداهن للتحدث ويبتن فى بيوتهن ، وأجاز - صلى الله عليه وسلم - لخالة جابر التى طلقت أن تخرج لجدار نخلها ، وإِذا لزمتها العدة فى السفر وليس معها زوجها اعتدت فى أهلها ذاهبة وراجعة . والبدوية تعتد فى ارتحالها وإِقامتها . والفاحشة المبينة قيل هى خروجهن كأَنه قيل لا يتصور خروجهن قبل انقضاء العدة إِلا وخروجهن فاحشة ظاهرة لا يتصور أن يكون خروجهن غير فاحشة مبينة ، كما تقول لا تشتم أُمك إِلا وأنت قاطع الرحم ، وهذا أبلغ فى النهى على الإِطلاق ولو برضاها ورضى زوجها ، والأَولى غير هذا بأَن تفسر الفاحشة بالزنى أو بالقيادة أو بالمزمار أو الغناء أو الطبل أو الكهانة أو السحر أو طول اللسان على زوجها أو أقاربه أو أهله أو جاره أو السرقة أو الردة أو نشوزها على زوجها حتى طلقها ، وإِن تابت رجعت ، وقيل الفاحشة ما فيه حد تخرج ليقام عليها فترجع والاستثناء منقطع قيل أو تقدر باء السببية أى إِلا بإِتيانهن بفاحشة مبينة ، وفيه أنه يتم الكلام على تقدير لا يخرجن لطلبكم خروجهن إِلا بأَن يأتين كأَنه قيل إِذا طلبتم خروجهن فلا يخرجن إِلا بسبب الفاحشة ، فإِن رضيتم بالسكنى مع ذلك وزجرتموهن عن الفاحشة جاز أو تعلق الباء بتخرجوهن .

﴿ وَتِلْكَ ﴾ الأَحكام من التطليق للعدة وإِحصاء العدة وإِتقاء الله وعدم الإِخراج وعدم الخروج . ﴿ حُدُودُ اللهِ ﴾ لا تتجاوز ولا يقصر عنها ، والحصر إِضافى منظور فيه إِلى شأن الطلاق .

﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُوندَ اللهِ ﴾ بالتفريط أو الإِفراط . ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ فيعاقب أو ظلم النفس مجاز عن مسببه ولازمه وهما العقاب ، وفسر بعضهم ظلم نفسه بأَنه أضر بها أى عرضها للضرر والماصدق واحد . ﴿ لاَ تَدْرِى ﴾ أيها المتعدى ، وهذا على طريق الالتفات عن الغيبة إِلى الخطاب تأكيداً للزجر عن التعدى ، وهذا على طريق الالتفات عن الغيبة إِلى الخطاب تأكيداً للزجر عن التعدى ، وقيل للنبى - صلى الله عليه وسلم - وقوله تعالى : لا تدرى . . . الخ « ترغيب فى المحافظة على الحدود بعد الترهيب ، كذا قيل ، وهو واضح ، وقد يقال إِنه أنسب بالترهيب . ﴿ لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ التعدى ﴿ أمْرًا ﴾ جملة الترجية سدت مسد مفعولى درى كجملة الاستفهام ، والمراد لا تدرى أيها المتعدى عاقبة الأَمر لعل الله يحدث فى قلبك بعد ما فعلت مما هو تعدٍ أمرًا يقتضى خلاف ما فعلت ، كإِبدال بغضها بالحب ، والإِعراض عنها بالإِقبال . وبت الطلاق بالرجعة أو تجديد النكاح ، ويحرم على من يعرض عليه أمر الطلاق أو كنايته أن يأمره بثلاث تطليقات ، أو بالطلاق البائن ، ومن فعل ذلك فقد ظلمها وصار كمن قطع بين الزوجين ونافر الآية وناقضها ، فإِن الآية دلت على أن لا يطلق إِلا واحدة رجعية لعل الله تعالى يحدث فى قلبه الرجعة .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٢١٨