فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَایَٰتࣲ مُّفَصَّلَٰتࣲ فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوۡمࣰا مُّجۡرِمِینَ١٣٣
الرسم الإملائيّ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ
الجزء ٩الربع ٦٦ صفحة ١٦٦
تفسيرها
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ﴾ ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل ؛ قيل : طفا الماء جروبهم ، وذلك قيل : إنهم مًطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمسا ولا قمرا ، ولا يقدر أحد أن يخرج من داره ؛ وقيل : دخل الماء في بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة ، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم ؛ وقيل : هو الجدريًّ أو الطاعون أو الموت . ﴿ وَالْجَرَادَ ﴾ فأكلت زروعهم وثمارهم وسقوف بيوتهم ولم يدخل بينوت بني إسرائيل منه شيء . ( وابتلى الله الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ؛ وقيل : مكتوب على كل جراده : "جند الله الأعظم" ) . ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾ وهي الدبا وهو أولاد الجراد ؛ قيل : بنات [ كذا] أجنحتها ، أو البرغيث ، أو كبار القردان ، وقيل : السوس الذي يخرج من الحنطة ، فلم يصابوا ببلاء كان أشدَّ عليهم من القمل ، وأخذت أشعارهم وأبشارهم واشفار عيونهم وحواجبهم ، ولزم جلودهم كالجذريِّ عليهم ، ومنعهم النوم . ﴿ وَالضَّفَادِعَ ﴾ وكانت تقع في طعامهم وشرابهم ، حتى إذا تكلَّم الرجل وقع في فيه ، فلقوا منها أذى شديدا . ﴿ وَالدَّمَ ﴾ أي : الرعاف ، وقيل : مياههم انقلبت دما ، حتى أن القبطي والإسرائيلي إذا اجتمعا على أناء فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء ، وما يلي القبطي دما ؛ وقيل : سال عليهم السيل دما . ﴿ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ ﴾ مبينات ظاهرات لا تشكل على عاقل أنها من آيات الله ن أو مفرقات بين كل اثنين شهر . ﴿ فَاسْتَكْبَرُواْ ﴾ فلم يعتبروا بالآيات ، ﴿ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٨٧
قال الله : ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالجَرَادَ وَالقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ ﴾ .
قال بعضهم : فمطروا الليل والنهار ثمانية أيام ولياليهن لا يرون فيها شمساً ولا قمراً ، فصرح الناس إلى فرعون ، وخافوا الغرق . فأرسل فرعون إلى موسى فأتاه فقال له : يا موسى اكشف عنا فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فأقلعت السماء ونَشِفَت الأرض ماءها ، وأنبتت من الكلأ والزرع ما لم يروا مثله قط في مصر . فقالوا : لا والله ، لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل . ولقد جزعنا من أمر كان خيراً لنا فنكثوا وعصوا . فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض وبقي الجراد عليهم ثمانية أيام ولياليها لا يرون الأرض . وركب الجراد بعضه بعضاً ذراعاً . وفي تفسير مجاهد ، إن الجراد أكل مسامير أبوابهم وبنيانهم . قال الله : ﴿ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ﴾ . . . الآية .
قال الكلبي : فصرخ أهل مصر إلى فرعون فأرسل إلى موسى فقال : أيها الساحر ، ﴿ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ فدعا موسى ربه فأرسل الله ريحاً شديدة فاحتملت الجراد فألقته في البحر ، فلم تبقِ منه جرادة واحدة . فنظر أهل مصر فإذا قد بقيت لهم بقية من زروعهم وكلإهم ما يكفيهم عامَهم ذلك . فقالوا له : والله لقد بقي لنا ما يكفينا هذه السنة ، فلا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إِسرائيل . فأرسل الله عليهم القمَّل ، وهو الدبى فلم يُبْقِ في أرضهم عوداً أخضر إلا أكله . فصرخوا إلى فرعون . فأرسل إلى موسى فأتاه ، فقال : يا موسى اكشف عنا هذا الدبى فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فأمات الدبى حتى لم تبقَ منه واحدة . فلما نظر القوم أنه لم يبقَ لهم شيء يعيشون به قالوا : يا موسى ، هل تستطيع أن تفعل بنا أسوأ مما فعلت ، فوالله لا نؤمن لك ، ولا نرسل معك بني إسرائيل . فأرسل الله عليهم الضفادع ، فدبت في أرضهم وبيوتهم ومخادعهم وظهور بيوتهم ، حتى جعل الرجل منهم يستيقظ وعليه منهم ما لا يحصى .
فصرخوا إلى فرعون . فأرسل إلى موسى فأتاه فقال : ادع لنا ربك فليهلك هذه الصفادع من أرضنا ونؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل . فدعا موسى ربه فأذهب الضفادع من أرضهم ، فأماتها . ثم أرسل مطراً فاحتملها فألقاها في البحر . فقالوا : لا والله لا نؤمن لك ولا نرسل معك بني إسرائيل . فأرسل عليهم الدم فجرت أنهارهم دماً ، ودكا ماؤهم ، فلم يكونوا يقدرون على الماء ، وأنهار بني إسرائيل تجري ماء عذباً طيباً . فإذا دخل الرجل من آل فرعون في أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دماً ، والماء من بين يديه ومن خلفه صافٍ عذب لا يقدر منه على شيء . فمكثوا ثمانية أيام ولياليهن ، لا يذوقون الماء حتى بلغهم الجهد . فصرخ أهل مصر إلى فرعون : إنا قد هلكنا وهلكت دوابنا ومواشينا من الظمإ ، فأرسل فرعون إلى موسى فدعاه . فأتاه فقال : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الرجز ونعطيك ميثاقنا لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٨٧
﴿ وَقَالُوا ﴾ لموسى ﴿ مَهْمَا ﴾ بالأَلف لأَنه مركب من ما الشرطية وما الزائدة ، قلبت ألألف الأُولى هاء تخفيفاً عن التكرير ، أَو من مه اسم فعل بمعنى اكفف ، باق على معناه ، وقيل : مجرد عنه ، وما من قال بسيطة كتبها بالياء وخط المصحف لا يخالف ، ومعناه كل ما وهو مبتدأ ولا دليل على الاشتغال ، ولا تكون ظرفا بمعنى متى ، وأَما قوله :
فإِنك مهما تعط بطنك سؤله … فهى فيه مفعول مطلق ، بمعنى أَى عطاء أَعطيت بطنك سؤله . ولو كانت فى الآية بمعنى متى لم يعد إِليها هاء به ﴿ تأَتِنا بهِ مِنْ آيَةٍ ﴾ بيان لهاء به حال منه ، وسموها آية تهكما ، أَو أَرادوا : على زعمك ، ﴿ لِتَسْحَرَنَا بِهَا ﴾ أَنث هنا ضمير مهما ، لأَنها فسرت وبينت باية ، أَو أَعاد لنفس الآية ، وهو فى المعنى عود لهما وضميره ﴿ فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فما نحن بمصدقين لك عليها ، أَو فيها ، أَى الآية المعبر عنها بمهما ، أَو مذعنين لك ، أَو مؤمنين بك ، فقال موسى عليه السلام : يا رب ، إِن فرعون وقومه بغوا واتعدوا ونقضوا العهد قخذهم بنقمة تكون لقوم عظة ، ولمن بعدهم آية وعبرة ، وقد مر عليهم شأن العصا واليد البيضاء ولم يؤمنوا ، فبعث الله عليهم الماءَ كما قال :
﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ ﴾ من السماء سبعة أَيام ، ثلاثة فى ظلمة شديدة ، والسيل يدخل بيوت القبط ويصل تراقيهم ، ويفرق قاعدهم دون بنى إِسرائيل ودون بيوتهم مع اختلاط بيوتهم ولو تسفل بيت منهم عن بيوت القبط ، ولا يرون شمساً ولا قمراً ، ولا يطيقون الخروج ، فلم يجدوا حرث أَرضهم ولا التصرف فيها ، فاستغاثوا بفرعون فقال لموسى عليه السلام : أَزل عنا هذا الماءَ نؤمن بك ، فأَزاله الله وجفف الأَرض وأَنبتت ما لم يروه قبل . فقالوا : هذا الذى جزعنا منه خير لنا ولم نشعر ، والله لا نؤمن بك ولا نرسل بنى إِسرائيل . أَو الطوفان الجدرى أَو موت الحيوان أَو الطاعون شهراً ، والطوفان ماء أَقام ثمانية أَيام ، وأَزال الله ذلك فقاموا شهراً فى عافية ونقضوا العهد ، وأَرسل الله عز وجل عليهم الجراد كما قال الله عز وجل ﴿ وَالْجَرَادَ ﴾ كثيراً تتراكب ذراعاً ويعطى ضوء الشمس مبتلى بالجوع حتى أَكل الخشب والأَبواب اليابسة والسقوف والثياب مكتوباً فى صدر كل جراد « جنيد الله الأَعظم » - سبعة أَيام من سبت وضجوا : إِن زال آمناً . فأَشار موسى بعد خروجه إِلى صحراء إِلى الشرق والغرب ، فذهب من حيث جاءَ ، أَو أَلقته الريح فى البحر ، وسمى جراداً لأَنه يجرد الأَرض من النبات ، والاشتقاق فى أَسماء الأَجناس قليل ، وبقى لهم ما يأكلون من غلتهم ، فقالوا بقى لنا ما يكفينا فلا نترك ديننا ، وأَقاموا شهراً فى عافية ، وعادوا إِلى أَعمالهم الخبائث ، فأَرسل الله عز وجل عليهم القمل كما قال : ﴿ وَالْقُمَّلَ ﴾ ضرب بعصاه كثيباً من الرمل أَحمر فعاد قملا يأخذ أَبشارهم وأَشعارهم وأَشعار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم ومنعهم القرار والنوم وأَكل ما أَبقاه الجراد ولحس الأَرض ومس أَبدانهم ، وامتلأَ طعامهم قملا ، ويحصل شئ قليل من الدقيق من عشرة أَجربة .
أَو هو السوس ، أَو أَولاد الجرا قبل أَن تنبت الأَجنحة ، أَو الحمنان ، وهو ضرب من القراد ، أَو دواب صغار تشبه القراد ، أَو دواب صغار القراد أَو صغار الذر ، أَو هى القراد أَو البراغيث ، أَو الجعلان ، بقى عليهم ذلك من سبت لسبت سبعة أَيام ، فصرخوا إِن يكشف فنتوب ، فكشف ، وأَقاموا شهراً ، فنكثوا ، فقالوا : تيقنا أَنه ساحر إِذا جعل الرمل قملا ، فأَرسل عليهم الضفادع كما قال : ﴿ وَالضَّفَادِعَ ﴾ ملأَت بيوتهم ومياههم وطعامهم ، وتثب فى القدور وفى النار ، وفى أَفواههم عند الكلام وعند الطعام ، ولا تحترز عما تموت به من نار أَو قدر لوجه الله ، فقيل : أَبدلها الله من ذلك برداً ، أَى زادها بردا ، إِذ قد أعطيت ذلك لنار إِبراهيم ، وبقى ثلث كل فرد ، أو ثلث الجميع ، فعمها البرد فى قصة موسى عليه السلام ﴿ وَالدَّمَ ﴾ فى مياههم حتى غلبها أَو صارت دما ، وكذا ماء البقول والثمار وماء الأَغصان ، يجتمع إِسرائيلى وقبطى على إِناء فيشرب الإِسرائيلى منه ماء والقطى دماً ، وكذا ماء البقول والثمار والغصون ، ويصب الإِسرائيلى من فيه ماء فى فم القبطى فيرجع فيه دما ، أَو الدم الرعاف ، وقيل : سال عليهم النيل دما ﴿ آيَاتٍ ﴾ حال من الطوفان وما بعده ، وصح لأَنه بمعنى دالات ، كل واحدة دامت سبعة أَيام من سبت لسبت ، وقيل : كل واحدة تدوم شهراً ، ويعافون فى شهر بعده كما روى عن ابن عباس ، وقيل : فى كل سنة آية فهن فى تسع سنين ﴿ مُفَصَّلاتٍ ﴾ مبينات لا يشك عاقل منصف غير مكابر لعقله أَنها من الله ونقمه ، أَو مفصلات لامتحان أَحوالهم بالأَزمنة بإِبقاء كل واحدة سبعة أَيام من سبت لسبت ، وزوالها بدعاء موسى شهراً فاصلا بين كل عذابين إِلزاماً للحجة عليهم ، ويقال : بقى موسى فيهم بعد إِيمان السحرة عشرين سنة ، وقيل أَربعين سنة ، وقيل ستة عشر شهرا يريهم الآيات على مهل ﴿ فاسْتَكْبَرُوا ﴾ عن الإِيمان بها وبموسى ﴿ وَكَانُوا قَومًا مُجْرِمِينَ ﴾ عادتهم الإِجرام من قبل مستمرين عليه .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٠٨٧