سورة الأعراف · الآية ١٥٤ من ٢٠٦

‹ السورة السابقة
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِی نُسۡخَتِهَا هُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّلَّذِینَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ یَرۡهَبُونَ١٥٤
الرسم الإملائيّ

وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

الجزء ٩الربع ٦٧ صفحة ١٦٩

تفسيرها

[سورة الأعراف — آية 154]

﴿ وَلَمَّا سَكَتَ ﴾ أي : سكن ، وقرئ به . ﴿ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ ﴾ التي ألقاها ، ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ اختلفوا فيه ، قيل : المراد به الألواح ، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ ، وقيل : إن موسى ألقى الألواح فتكسرت ، فنسخ نسخة أخرى . ﴿ هُدًى ﴾ من الضلالة ، ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ ورحمة من العذاب ، ﴿ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ أي : الخائفين من ربهم ؛ وقيل : أراد من ربهم يرهبون .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٨

[سورة الأعراف — آية 154]

قوله : ﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغَضَبُ ﴾ أي سكن ﴿ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا ﴾ يعني الكتاب الذي نسخت منه التوراة ﴿ هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ والرهب الخوف . وقال بعضهم : ﴿ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً ﴾ قال :

إن موسى لما أخذ الألواح قال : يا رب ، إني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويسارعون في طاعة الله ، رب فاجعلهم من أمتي .

قال : تلك أمة أحمد . قال رب أني أجد في الألواح أمة هم الآخرون والسابقون يوم القيامة ، أي الآخرون والسابقون في دخول الجنة ، فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها ، وأجد قوماً يقرأون كتابهم نظراً ، إذا رفعوه لم يحفظوا منه شيئاً ولم يعوه؛ فإن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الآدميين ، قال : رب اجعلهم أمتي : قال : تلك أمة أحمد . قال رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، ويقتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب ، رب فاجعلهم أمتي ، قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون صدقاتهم في بطونهم ويؤجرون عليها ، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم ، وكان من قبلكم إذا تصدق أحدهم بصدقة أنزلت عليها نار من السماء فأكلتها ، فاجعلها اللهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . [ قال : رب إني أجد في الألواح أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ، رب اجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد ] . قال : رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة لم تكتب عليه ، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة ، رب فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد .

وذكر لنا أنه نبذ الألواح ، وقال : رب اجعلني من أمة أحمد . فأعطى اثنتين لم يعطوهما . قال : ﴿ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرسَالاَتِي وبِكَلاَمِي ﴾ فرضي . ثم أعطى الثانية : ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأعراف : 159 ] فرضى موسى كل الرضى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٨

[سورة الأعراف — آية 154]

﴿ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ﴾ أَى انكف وزال ، مجاز مرسل تبعى لعلاقة الإِطلاق والتقييد أَو أَحدهما ، فإِن السكوت موضوع لانقطاع الكلام ، واعتبر لمطلق الانقطاع ، فاستعمل فى جزئى من هذا الانقطاع المطلق ، وهو الغضب ، أَو شبه انقطاع الغضب بانقطاع الكلام فسماه سكوتاً ، واشتق منه سكت ، أَو شبه الغضب بإِنسان يغرى موسى عليه الصلاة والسلام ويقول له : قل لقومك كذا وكذا ، أَو أَلق الأَلواح وخذ برأس أَخيك . واجرره إِليك . ثم يسكت . ورمز إِلى ذلك باللازم وهو السكوت ، فهو تخييل أَو استعارة تصريحية ﴿ أَخَذَ الأَلْوَاحَ ﴾ التى أَلقاها كلها لأَن المعهود الكل وأَل للعهد ، وتقدم بحث ذلك ﴿ وَفِى نُسْخَتِهَا ﴾ أَى فيما كتب فيها فعلة بمعنى مفعولة ، أَى فى مكنوبها وهو الحروف كما هو ظاهر ، أَو الأَلفاظ بواسطة الحروف ، أَو المعانى بواسطة الأَلفاظ المدلول عليها بالحروف . أَو المراد ما نسخ موسى من الأَلواح المكسورة ، وهو أَنسب لأَن أَصل النسخ غير الكتابة الأُولى ، إِلا أَن يعتبر أَن الأَلواح نسخت من اللوح المحفوظ ، وقال عطاء : فى نسختها ، ما بقى منها . وقيل : لقن الله التوراة لموسى فنسخها من قلبه فى الأَلواح المذكورة ، والمشهور أَنها جاءَت مكتوبة من الله عز وجل ﴿ هُدًى ﴾ من الضلال إِلى الحق فى الدنيا ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ أَى إِنعام فيها وفى الآخرة ، أَو إِرشاد إِلى الصلاح ديناً ودنيا ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ تنازعه هدى ورحمة ، أَو هو نعت لهما ﴿ هُمْ لِرَبِّهِمْ ﴾ منصوب بقوله ﴿ يَرْهَبُونَ ﴾ وقوى باللام لضعفه بتقديم المنصوب ، فهى لام التقوية كقوله تعالى ﴿ إِن كنتم للرؤيا تعبرون ﴾ والأَصل الذين هم يرهبون ربهم ، أَو التقدير يرهبون المعاصى أَو العقاب لأَجل ربهم ، فاللام للتعليل والتقديم على كل وجه للاختصاص والفاصلة ، وعلى طريقة العرب فى التقديم للاهتمام .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬١٠٨