سورة الجن · الآية ٩ من ٢٨

‹ السورة السابقة
وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن یَسۡتَمِعِ ٱلۡءَانَ یَجِدۡ لَهُۥ شِهَابࣰا رَّصَدࣰا٩
الرسم الإملائيّ

وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا

الجزء ٢٩الربع ٢٢٩ صفحة ٥٧٢

تفسيرها

[سورة الجن — آية 9]

}وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴿ طلبنا بلوغ السماء، أو خبرها، ﴾فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴿ قويا، وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها، ﴾وَشُهُبًا (8)﴿ جمع شهاب: وهو المضيء المتولد من النار. ﴾وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴿ مقاعد خالية عن الحرس والشهب؛ أو صالحة للترصد والاستماع، ﴾فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9)﴿ أي: شهابا راصدا له. ﴾وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10){ لأنهم لا يعلمون من أحكام المغيبات شيئا.

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٤٥٦

[سورة الجن — آية 9]

قوله : ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ﴾ هذا قول الجن ، يعنون من كان يفعل ذلك منهم ، وهم المردة من الجن . ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا ﴾ أي : من السماء ﴿ مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ [ اي : حفظة تمنع من الاستماع ] وقوله : ( لِلسَّمْعِ ) أي للاستماعِ من الملائكة خبراً من أخبار السماء؛ فأما الوحي فلم يكونوا يقدرون على أن يستمعوه .

ذكروا عن أبي رجاء العطاردي قال : كنا قبل أن يبعث النبي عليه السلام ما نرى نجماً يرمى به . فبينما نحن ذات ليلة إذا النجوم قد رمي بها . فقلنا ما هذا؟ إن هذا إلا أمر حدث . فجاءنا أن النبي عليه السلام قد بعث . فأنزل الله تعالى هذه الآية في سورة الجن : ﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٤٥٦

[سورة الجن — آية 9]

﴿ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعدْ مِنْهَا ﴾ موضعاً قريباً منها ﴿ مَقَاعِدَ ﴾ بدل من موضع المحذوف والمفرد مقعد بفتح الميم والعين أى موضع القعود وهى مواضع قعود فى الهواء يطيرون إِليها ، وقيل يقف واحد على آخر حتى ينتهوا إِليها وهو مروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ﴿ لِلسَّمْعِ ﴾ لأَجل أن تسمع ما تقول الملائكة متعلق بنقعد أو بمحذوف نعت لمقاعد أى ثابتة لللسمع ، أو يقدر كون خاص أى صالحة للسمع لخلوها عن الحرس والرصد والرمى بالشهب . ﴿ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ ﴾ الخن عطف على أنا كنا نقعد الخ ، والآن ظرف للزمان الحاضر وهو وقت متسع يرمى بالشهب فى بعضه قبل تكلمهم بهذا أو بعده وفيه على الظن فى وقت التكلم وما بعده والمضارع للتجدد وحكاية ما مضى يقيناً والحال والاستقبال ظنا ، وقيل الآن هنا للاستقبال لقوله يستمع وهو مضارع للاستقبال ﴿ يَجِدْ ﴾ يلق . ﴿ لَهُ ﴾ لنفسه ، وفيه عمل عامل واحد فى ضميرين لمسمى واحد متصلين بلا تبعية فى غير باب ظن وما ألحق به وهو مقيس لأَن أحدهما بحرف جر وهو كثير فى القرآن ومقيس فلا تهموا .

﴿ شِهَاباً رَّصَداً ﴾ نعت مبالغة كأَنه نفس الرصد وهو الحرس والمراقبة أو يقدر براصد أو بمصاحب رصد وهو مفرد وإِن جعلناه اسم جمع أو جمع راصد على ما مر آنفاً فإِنما وصف المفرد به لقوته جداً كأَنه شهب متعددة كقوله :

كأَن قيود رجلى حين ضمت … حوالب غرز ومعا جياع

إِذ وصف المعى واحد الأَمعاء بجياع وهو جميع ويجوز على بعد أن يكون اسم جمع والمنعوت جمع محذوف أى يجد له ذوى شهاب رصد أى راصدين ، ويجوز أن يكون مصدراً تعليلاً أى لأَجل الرصد وفيه اختلاف الفاعل فإِن فاعل الوجود الشيطان وفاعل الرصد الملائكة فإِن الرصد للملائكة يرصدون المستمع فيرحمونه بالشهاب لئلا يستمع فيحترف ويبقى أو يموت ، وإِن جعل علة لمحذوف نعت لهاباً أى شهاباً عد للرصد صح ، والأَصل عدم الحذف وفى الآية وجود الرجم بالشهب ومقاعد للسمع قبل بعثه - صلى الله عليه وسلم - ولكن كثر بعد بعثه - صلى الله عليه وسلم - وشدد فالذى من آياته - صلى الله عليه وسلم - كثرته وتشديده أو كان الرمى قبله - صلى الله عليه وسلم - لحوادث ولما بعث كان الرجم الشياطين عن الاستماع أو له ولغيره ويقع فى رمضان مع أنه روى أن الشياطين تصفه فيه فتقول صفدت فيه المردة دون عامتهم وأنها صفدت عن مضرة الناس لا عن الاستماع ومن أدلة وقوع الرمى فى الجاهلية قوله - صلى الله عليه وسلم - فى جماعة من الأَنصار وقد رمى بنجم فاستنار ما كنتم تقولون لهذا فى الجاهلية قالوا : نقول يموت عظيم أو يولد عظيم ووقوعه فى أشعار الجاهلية كقول بشر بن أبى حازم :

والعير تتبعها الغبار وجحشها … ينقض خلفها انقضاض الكوكب

وفى ذلك رد لقول من قال لا رمى قبل مبعثه بالشهب ، وقيل كان قبل وبعد لم يزدد بعد .

افتحه في القارئ · صفحة ٥٬٤٥٦